في قلب مجمع “فيرست ستيشن” في القدس، وهو مركز ترفيهي شهير تقصده العائلات والشباب، ظهرت خلال عطلة نهاية الأسبوع عبارة غرافيتي مثيرة وصادمة: “هناك هولوكوست في غزة”.
الكلمات، المكتوبة بالأسود والأحمر، أوقفت فجأة إيقاع المطاعم والأكشاك – وألقت بظلال ثقيلة على أجواء نهاية الأسبوع في المدينة.
رغم أن القدس معتادة على النقاشات السياسية الحادة، فإن ظهور هذه العبارة بالذات في مكان ترفيهي وسياحي، تجاوز حدود السياسة العادية. بالنسبة لكثير من الزوار، شعروا وكأن الحقيقة اقتحمت فجأة مساحة يفترض أنها بعيدة عن أجواء الحرب.
لم يحدث هذا في جامعة أو مظاهرة – بل إلى جانب أطفال يحملون البالونات ويأكلون المثلجات، في ذروة العطلة الصيفية.
بين الترفيه والذاكرة والمقارنة
استخدام كلمات مشحونة كهذه – خاصة كلمة “هولوكوست” – لم يكن مجرد موقف سياسي. بل كان تحديًا لحدود الفهم بين المآسي التاريخية والمآسي المعاصرة، وطرح سؤالًا مؤلمًا على المجتمع الإسرائيلي:
ماذا تعني “هولوكوست” في زمن الحروب المستمرة؟ وهل هناك أصوات داخل إسرائيل ترى نفسها مسؤولة عمّا يحدث؟
(رأس حمار على سور مقبرة في القدس: الحكم بالسجن على الفاعل)
وبحسب تحليلات اجتماعية، فإن كتابة عبارة كهذه في مكان سياحي وبرجوازي، لا تستهدف الحكومة فحسب، بل تسلط الضوء على مجتمع يحاول تجاهل ما يجري.
الصدمة تزداد لأن الهدوء نفسه يتحول إلى شكل من أشكال الإنكار.
خمس دقائق من أرنونا – خمسة عوالم تتصادم
كُتبت العبارة على بعد خمس دقائق سيرًا من شارع كاسبي في حي أرنونا بالقدس، حيث يقع منزل الملياردير الأمريكي اليهودي سيمون فاليك – أحد أكبر الداعمين للقضايا الصهيونية وحليف مقرب من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
وبحسب تقارير إعلامية، سبق لنتنياهو أن بات في هذا المنزل.
المسافة الجغرافية القصيرة تكشف فجوة أعمق – عاطفيًا وسياسيًا – بين دوائر النفوذ وتلك الأصوات التي لا تجد إلا جدران المدينة لتُسمع.
(سائق حافلة عربي يتعرض للاعتداء في القدس: زملاؤه يرفضون الصمت)
القدس كمِرآة لقدرة التحمّل
كما هو الحال دائمًا، تتحول القدس إلى مسرح مفتوح للتوترات الخفية.
ولا يُعرف حتى الآن إن كانت السلطات ستزيل الغرافيتي أو ستتخذ إجراءات قانونية.
لكن من الواضح أن العبارة، حتى لو مُسحت، قد بدأت بالفعل بإثارة جدل واسع.
في مدينة يمر فيها النقاش العام من خلال الملصقات والشعارات والكتابات على الجدران، يصبح اختيار المكان والكلمات والأسلوب – اختبارًا حقيقيًا لقدرة المجتمع الإسرائيلي على التحمّل.


