في الوقت الذي تستعد فيه إسرائيل وتجهز الملاجئ تحسبًا لاحتمال مواجهة مع إيران، تبدو الأحياء الحريدية في القدس وكأنها تعيش بالفعل قصة انتصار.
ومع اقتراب عيد بوريم – العيد اليهودي الذي يرتدي فيه الأطفال والكبار الأزياء احتفالًا بقصة سفر أستير – تمتلئ واجهات المتاجر بين شارع ملكي إسرائيل وحي مئة شعاريم بملابس تعكس قصة مختلفة عن الخوف والقوة والصمود.
هل يتحول عيد بوريم في القدس الحريدية إلى تدريب على الصمود النفسي؟
حتى قبل بدء العيد، تمتلئ المتاجر الصغيرة في الأزقة الضيقة بحي جئولة باتجاه مئة شعاريم في القدس بصناديق القبعات الفروية الصغيرة والتيجان الذهبية والعباءات المخملية القرمزية. وفي شوارع فيشل وزوننفيلد وحيي آدم، يمكن رؤية الآباء يساعدون أبناءهم على ارتداء لحى صناعية لشخصيات توراتية، بينما تختار الأمهات فساتين الملكة أستير.
لا توجد هنا شخصيات أبطال خارقين أو نجوم أفلام. بل أزياء مستوحاة من القصة القديمة لسفر أستير التي تتكرر جيلاً بعد جيل.
وعلى بعد مسافة قصيرة، في وسط القدس وسوق محانيه يهودا، تبدو الرفوف مختلفة تمامًا. هناك تهيمن أزياء الوحوش والراقصين والشرطة والجنود وشخصيات القصص المصورة ونجوم وسائل التواصل. في الشارع الحريدي، يتنكر الطفل بشخصية نجت من الإبادة، بينما في الشارع العلماني يتنكر بشخصية تنتصر بالقوة.
كيف يشكل سفر أستير قوة الصمود في مواجهة إيران؟
يعكس هذا التباين رؤيتين مختلفتين للعالم. ففي الوقت الذي يراقب فيه العالم احتمال المواجهة مع إيران وتتصاعد التصريحات الحادة من قادة دوليين، هناك مجتمع يشعر بأن هذا السيناريو مألوف وسيؤدي في النهاية إلى نصر.
تقع قصة سفر أستير في بلاد فارس القديمة – إيران اليوم – في مدينة شوشان. وهي ليست مجرد ذكرى دينية، بل نموذج نفسي. فقد انقلب تهديد الإبادة الشاملة من قبل إمبراطورية قوية إلى نقيضه. أصبح هامان رمزًا للعدو الوجودي، ومردخاي رمزًا للصمود من دون قوة عسكرية، وأستير رمزًا للنصر من الداخل. الزي ليس هروبًا من الواقع، بل وسيلة لارتداء قصة هُزم فيها الخوف مسبقًا.
بهذا المعنى، لا يُعد بوريم الحريدي مجرد عيد مبهج في القدس، بل تدريبًا سنويًا على الصمود. يتعلم الأطفال ألا يتماهوا مع أبطال خارقين ينقذون العالم بالقوة، بل مع شخصيات عاشت تحت تهديد حقيقي ونجت منه.
بدلًا من تخيل مستقبل خيالي، يعيدون تمثيل ماضٍ يعد بأن التاريخ يمكن أن ينقلب.
تعبر الأزياء العلمانية عن أحلام القوة والسرعة والسيطرة، بينما تقدم الأزياء الحريدية معنى واستمرارية ونهاية معروفة. طريقتان للتعامل مع القلق، لكن واحدة فقط متجذرة في سردية “الانقلاب الكامل”.
وهكذا، بينما يحلل الخبراء سيناريوهات الحرب وينتظر القادة صور الاستسلام، هناك أحياء في القدس تمسك بالفعل بكأس النصر.
ربما لهذا يبدو الشارع الحريدي أكثر هدوءًا حتى عندما تصبح العناوين درامية. فبالنسبة له، ليست إيران نهاية القصة، بل فصلًا آخر في كتاب قُرئ حتى آخر صفحة. وضمن هذا الإحساس بالنصر، يبقى مجال لتطبيق الوصية: “يجب على الإنسان أن يحتفل حتى لا يعود يميز…”.


