الرحلة على متن الحافلة رقم 486 من المحطة المركزية في القدس إلى شواطئ البحر الميت ليست مجرد تنقّل عادي، بل تجربة تُشبه العودة إلى قصة الخلق في سفر التكوين. من نافذة الحافلة تمتد أرض وكأنها مأخوذة من كوكب آخر: جبال مسطحة، سماء ملتهبة، وصحراء لا تنتهي حتى الأفق. أصوات القدس تختفي تدريجياً، والطريق ينتقل من صمت الحجر إلى صمت الفضاء.
الطريق من القدس إلى البحر الميت – لافتات وقرى على الطريق
من الصعب التصديق أن هذه هي الطريق البسيطة إلى البحر الميت، فهي تبدو وكأنها مأخوذة من سطح القمر. تبتعد القدس خلفك، والطريق يتجه جنوباً عبر جبل المشارف، معاليه أدوميم وميخماش. اللافتات تحمل أسماء قرى عربية إلى جانب مستوطنات يهودية: العيساوية، جبع بنيامين، الطور، عناتا وغيرها. اللافتات دقيقة – لا حاجة إلى “ويز”.
وعلى أطراف الطريق تظهر خيمة بدوية. هناك حياة متواضعة في قلب الصحراء، مثل لوحة حية تصوّر صمود الإنسان أمام الفراغ. سيارة جيب متوقفة قرب قطيع من الأغنام تشير إلى تواصل مع الحداثة. المشهد جاف، والانحدار تحت مستوى سطح البحر يبدأ – مساحات شاسعة من بساتين النخيل التي تنمو حيث لم ينجح أي زرع آخر. مرة أخرى، خلق الإنسان شيئاً من لا شيء. صرامة الصحراء تحولت إلى زراعة وصناعة وأمل.
الحياة البرية في البحر الميت – الوعول ووبر الصخر
بالقرب من كيبوتس قليا، يظهر موقع كهوف قمران حيث اكتُشفت أقدم المخطوطات التوراتية تحت الجروف. وعلى امتداد الطريق: عينوت تسوكيم ومحميّة عين جدي – أماكن يصبح فيها الماء والملح مصدراً للجمال والشفاء، ومواد خام لمنتجات عناية بالبشرة وُلدت في قلب الصحراء.
الوعول لها لافتات تحذيرية خاصة كي لا تُصاب. ليست مجرد علامات مرور، بل علامات حياة في هذا العالم، حيث حتى الكائنات ذات القرون وتلك التي تُسمّى “بامبي” لها مسارها الخاص. على الصخور القاسية والمنحدرات الشاهقة يستقر الوبر بهدوء، مضيفاً بُعداً جديداً لعجائب الصحراء.
ميتسبيه شاليم تستقبل زوارها بلافتة ضخمة تدعو العائلات للانضمام. تذكير أنه حتى في الصحراء يحلم الناس ببناء مجتمع أكبر وأكثر تجذّراً. ثم يتطلّب الطريق قيادة دقيقة ومحترفة، قبل أن ينكشف واحة كيبوتس عين جدي – حلم أخضر في قلب الصحراء، حكاية صمود في وجه قسوة الطبيعة.
(الحمام يخفي تغييرا كبيرا – خريف 2025 في بيت المقدس)
السياحة في البحر الميت – هولندا وسيبيريا
ثم،
البحر. البحر الميت.
ألوانه تتدرج بين الأزرق الفاتح، الفيروزي والفضي بحسب زاوية أشعة الشمس.
بين المستجمين – ليس فقط المقدسيين والإسرائيليين بل أيضاً سُيّاح مبتسمون من سيبيريا، هولندا ومختلف أنحاء العالم. الجميع يطفون بصمت، يتأملون الأفق أمامهم، والأكواخ على الشاطئ تذكّر الجميع بالموسم.
هنا، في البحر الميت، وُعِد الجميع بالشفاء: من مشاكل الجلد وآلام المفاصل وأمراض أخرى. ومن قام بالرحلة من القدس إلى المياه المالحة المُطهّرة، نال ليس فقط راحة جسدية بل اتساعاً في الوعي – تذكير أنه حتى في قلب الصحراء، يبقى الحلم الإسرائيلي لامعاً كالذهب.


