بين أصوات الشوفار وتلاوات “السلوخوت”، تجري في الأيام الأخيرة دراما صامتة عند حائط البراق في بيت المقدس. تتفـرغ الشقوق من آلاف الأوراق التي تحمل الأمنيات والآمال. تمامًا قبل رأس السنة العبرية، وكما يحدث قبل عيد الفصح، يُقام في بيت المقدس طقس يتم فيه جمع جميع الأوراق من شقوق الحائط ونقلها إلى جبل الزيتون للدفن.
إخراج الأوراق من حائط البراق
في الثالث والعشرين من أيلول، بدت ساحة الحائط وكأنها تحبس أنفاسها. جلست عشرات النساء يصلين بصمت، تاركات وراءهن هموم الحياة اليومية، رافعات دعاءً لسنة أفضل. أصوات الشوفار تشق الهواء من جهة الرجال، أصوات مقدسة ترافق المزامير والصلوات الخارجة من قلوب منكوبة. في هذه اللحظة تُزال آلاف الأوراق المطوية بإحكام وتُترك فراغات لأمنيات جديدة.
طلبات شخصية وجماعية – من أوباما إلى ترامب والبابا
أغلب الدعوات مألوفة – صحة، رزق، زواج، خصوبة، نجاح وسلام. روت لي رَحيل حداد من إدارة الحائط عن كثرة الطلبات لإطلاق سراح الرهائن وإنهاء الحرب. أما إسرائيل من الإدارة نفسها فأخبرني عن زعماء من لبنان وإيران وأمريكا، وضيوف رفيعي المستوى لدولة إسرائيل، جاؤوا إلى الحائط ووضعوا أوراقهم فيه – من الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما ودونالد ترامب إلى البابا فرنسيس.

من الحائط إلى جبل الزيتون – الرحلة الأخيرة
حتى ورقة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وُجدت، وقد كتبها قبل خروجه لعملية سُمّيت “مع كالَبي”. في وقتها بدا الدعاء نافعًا، لكن المحاولة الأخيرة في الدوحة بقطر، والتي حملت اسم “قمة النار”، لم تنجح. أحيانًا هناك أمور خفية لا نفهمها.
فريق جمع الأوراق حضر بقمصان بيضاء جديدة مكتوب عليها “جنיזה”. تُنفذ العملية باحترام عميق، باستخدام عصي خشبية دقيقة لانتزاع الأوراق وتكديسها في أوعية شفافة. يشرف الحاخام شموئيل ربينوفيتش، حاخام الحائط، على العملية، مضيفًا للمشهد وقارًا. أوراق الحائط أصبحت لغة دولية للإيمان والأمل، جسرًا خفيًا بين الأديان والثقافات والشعوب.
الحائط – أرشيف حي للأحلام الإنسانية
إنها مهمة روحية – الحفاظ على قدسية المكان الأقدس للشعب اليهودي وحمل صرخات الإنسانية بكرامة.
الأوراق تترك الحجر لكنها لا تترك الروح. أكثر من أي مكان آخر، يكشف الحائط أسرار القلوب. ومع تعاقب الأعوام، يصبح الحائط أرشيفًا حيًا للأحلام الفردية والجماعية. كل ورقة صغيرة تنضم إلى فسيفساء إنسانية هائلة من شوق وإيمان وبحث عن الخلاص. وبمجرد وصول الأوراق إلى مثواها الأخير في جبل الزيتون، تبدأ أوراق جديدة رحلتها، حاملة صلوات لعام جديد أفضل.


