مع حلول الخريف في بيت المقدس، تبدأ الصباحات في شارع الرئيس السادس بحي مشكنوت هأوما بهدوء أجنحة الحمام. تمشي الطيور فوق الأرصفة الحجرية، وتجلس على أسطح البيوت، وتبحث بعناد عن كل فتات حبة. في هذه المدينة المليئة بالحجر والسماء، أصبحت الحمام الممثلة الرئيسية للموسم.
هواء بارد فوق الأحياء العالية في بيت المقدس
هذا العام، على عكس الخريف الماضي، تبدو سماء بيت المقدس شبه خالية. الطيور المهاجرة التي كانت تملأ الأفق اختفت، تاركة الحمام يسيطر على الفضاء. تطرد الغربان، وتنظر إلى القطط بثقة، وتذكر الجميع أن إيقاع المدينة تغير.
وفي الأحياء العالية – في رموت، جيلو، وكريات يوفيل – يبدو الخريف أكثر برودة، والسطوح تلتقط أول ضوء باهت من الشمس.
الخرسانة تحل محل الطبيعة في خريف بيت المقدس
لم يمض وقت طويل منذ أن كانت أطراف المدينة مغطاة بالزهور البيضاء وطيور النمنمة الصغيرة، رسل الخريف الكلاسيكي. اليوم، استبدلت الأزهار بالرافعات، والطيور بالغبار. الخرسانة غزت التلال، وشعر الخريف القديم تراجع، لكن شيئا من هدوئه ما زال قائما – نسمة باردة ولحظة صمت بين العيد والمطر.
(ملامح بيت المقدس تتغير – ألف شقة جديدة)
في الأحياء المتدينة – الصلاة تحدد الموسم
أما في الأحياء المتدينة – مئة شعاريم، جيئولا، ومكور باروخ – ففكرة “الخريف” لا وجود لها تقريبا. هناك يُقاس الزمن بالصلوات لا بالأوراق. الأطفال لا يتعلمون عن تساقط الأوراق أو الطيور المهاجرة. وعندما يحل عيد “سمحات توراه” و”شِميني عتسيرت”، يُتلى في الكنيس:
“أنت يا رب قدير إلى الأبد… تُرجِع الريح وتنزل المطر.”
تلك الجملة وحدها تعلن تحول الفصول. بركة الندى تنتظر الربيع، لكن الريح بدأت تهب فعلا بين الأزقة الضيقة.
وهكذا، بين الحمام فوق الأرصفة والسماء الفارغة وهواء الجبال البارد، تثبت بيت المقدس مرة أخرى أن الخريف فيها ليس مجرد فصل – بل حالة روحية. توازن دقيق بين الحجر والسحاب، بين الذكرى وأول قطرة مطر. حتى عندما تتراجع الطبيعة، تواصل بيت المقدس إنشاد أغنيتها القديمة والبطيئة التي لا تشبه أي أغنية أخرى.


