في منتصف أكتوبر 2025، ومع اقتراب نوفمبر، يزهر موسم الجوافة في القدس. إلى جانب طائر الهازجة الذي يقفز في شارع نڤون وأوراق الخريف المتناثرة في شارع أغريباس وكيح المؤديين إلى سوق محني يهودا، ينضم عطر الجوافة كأحد مبشّرات الخريف. المقدسيون الذين ينزلون من القطار الخفيف بعد محطة مركز المدينة يحظون بتجربة حسية موسمية نادرة: رائحة الجوافة المعروضة في الأكشاك تفوح في المكان.
جوافة وأزقة القدس
تسبق الرائحة الثمرة نفسها، وفي شوارع القدس، بين البقعة ونحلاوت، يتسلل مجدداً ذلك الهواء الحلو – اللاذع الذي يصعب تجاهله. مصدره آخر أشجار الفاكهة المزروعة في أفنية البيوت القديمة بالمدينة.
وفي سوق محني يهودا تمتلئ الأكشاك بأكوام صفراء وذهبية من الجوافة، كفيلة بأن تُدوّخ العابرين. ينادي الباعة: “جوافة طازجة!”، فيستجيب المارة إما بشوق وابتسامة أو باستياء وانكماش الأنوف. هناك من يتذكر رائحة طفولة مقدسية حقيقية، وهناك من يحبس أنفاسه وكأن حيواناً نتناً مرّ أمامه.
في مدينة تعرف الفصول، تشير الجوافة إلى أن الصيف انقضى وأن الخريف حلّ. ينتهي الصيف عندما تصل الجوافة إلى سوق محني يهودا. إنه الموسم الذي تغمر فيه الرائحة أفنية كتمون، تلبيوت ومنطقة YMCA، حيث لا تزال أشجار قديمة صامدة منذ عقود. في ستينيات القدس، كان في كل فناء تقريباً شجرة جوافة واحدة على الأقل، كنا نتسلقها بينما يتجادل الكبار في الأسفل عمّا إذا كانت الرائحة من الجنة أم من الجحيم.
في القدس لم يكن السؤال: هل لديك شجرة جوافة؟ بل: هل تحب هذه الفاكهة الصفراء الباهتة؟ فاكهة مليئة بالبذور قسّمت المقدسيين، تماماً مثل النقاشات حول السفر في السبت أو من غنّى “القدس من ذهب” بشكل أفضل. لكن الجميع يتفق على أن رائحة الجوافة تصل قبل أن ترى الشجرة نفسها.
قيمة صحية ومربى مقدسي
بعيداً عن الرائحة والجدل، من المهم التذكير بأن هذه الفاكهة التي تشبه الأترج الصغير لها قيمة صحية تعيدها إلى الواجهة. قنبلة فيتامين C، غنية بالألياف ومضادات الأكسدة. لكن في الماضي لم يكن أحد بحاجة إلى العلم: مربى الجوافة الذي كانت تحضّره الجدة في حي زخرون طوفيا، على موقد الكيروسين مع السكر والليمون، كان ينزلق في الحلق قبل أن يُطلق عليها لقب “سوبر فود”. اليوم يتراوح سعر الكيلوغرام بين 14 و20 شيكل.
في عصر تُوثّق فيه كل لحظة بالصور، تذكّرنا الجوافة أن هناك أشياء لم يستطع الخوارزم بعد نقلها – لا يمكن إرسال رائحة حتى الآن. لا يمكن مشاركة ذكرى أو شعور الطفولة، ومن الصعب العثور على صورة لفناء قديم يضم شجرة جوافة أو لطفل صغير يتسلق حافي القدمين إلى قمتها.
هذا هو سر سحر الجوافة والقدس – ليست مجرد فاكهة موسمية، بل جزء من المشهد العاطفي للمدينة. في طفولتي، عندما كان أبي يجلب الجوافة إلى البيت، كنا نعلم أن العطلة الصيفية انتهت. لكن أمي لم تجرؤ على وضع الجوافة في فطور المدرسة. كانت تعلم أن ذلك قد يبعدنا عن الأصدقاء. الجوافة، التي لم تُذكر في أربعة الأنواع ولا في الأنواع السبعة، حفرت في قلوب المقدسيين ذكريات حسية لم يمحها الزمن. وربما هذا سرّ سحرها.


