صباح سبت مقدسي. في أشهر الشتاء، تتغطى شوارع ألفندري ويوسف بن متتياهو والأحياء الواقعة جنوب شارع أغريباس برائحة تشولنت لا تخطئها الأنف. أثر أسطوري من الدفء والطمأنينة يقود مباشرة إلى الطفولة، رائحة ترسم الطريق، تنعطف بين الأزقة، تصعد السلالم وتعلن لكل عابر أن للسبت مكانة لا تشبه أي يوم آخر.
لماذا ترتبط رائحة التشولنت في بيت المقدس بالأزقة والأحياء القديمة؟
هذه الرائحة لا تصدر عن بنايات بمدخل مشفّر ومصاعد شاهقة، بل عن بيوت أرضية بأسقف مغطاة بالقرميد وأصص غرنوقي عند الأبواب. بيوت من جيل كان يلف القدر الكبير ببطانيات سميكة كي لا يهرب الدفء ولا تضيع العادة.
وهكذا، بين مبان متقشرة وحكايات عائلات، لا يكون تشولنت بيت المقدس مجرد طعام. إنه ذاكرة. ذكرى الاستيقاظ على الرائحة الأشهى، وانتظار عودة الأب من كنيس “بيت الأيتام” في بيت المقدس، لأداء التقديس، ثم الجلوس حول الطاولة بلهفة حتى يحين موعد الطبق الذي طها طوال الليل. تُقشّر بيضات “الحميندوس” بسرعة، وتذوب في الفم قبل إضافة الملح والفلفل الأسود.
ما الذي يجعل تشولنت بيت المقدس طعام ذاكرة قبل أن يكون طعام طعم؟
التشولنت تراث من الطعام المريح، محمّل بالعاطفة، يهدئ النفس قبل أن يصل إلى الصحن. هو طقس يبدأ برمي مكونات بسيطة في قدر واحد، بساطة قد تبدو مربكة، لكنه يستمر في رحلة طبخ طويلة تختصر ثقافة كاملة.
تشولنت بيت المقدس يأتي بنسخ متعددة، وكل نسخة تُعامل كطبق نجم ميشلان في حيّها. هناك تشولنت المعكرونة المعروف باسم “سكولتشه”، مع البيض وأفخاذ الدجاج والبطاطا، تتوحد في قوام ونكهة لا يكفي منها طبق واحد. وهناك التشولنت السفاردي الكلاسيكي بالفاصولياء واللحم والبيض والكشكيس وكيس الأرز. في الأوساط الأشكنازية يُعرف باسم “تشولنت”، وكل نسخة تحكي قصة حي، وطائفة، وسبوتات حُفظت جيلاً بعد جيل.
أين يمكن تذوق تشولنت بيت المقدس اليوم خارج البيت؟
في حي غئولا في بيت المقدس، يمكن اليوم تذوق التشولنت من بسطات طعام تنتظر الزوار كل ليلة خميس. يتوافد كثيرون إلى شوارع شاري إسرائيل ومئة شعاريم لشراء علب بلاستيكية أو قدور صغيرة، تمهيداً للروائح التي ستغمر المدينة في اليومين التاليين.
التشولنت هو مضاد الاكتئاب الخاص بالسبت. طبق شتوي ينعش الروح. أفراد العائلة الذين يستيقظون على الرائحة القادمة من المطبخ يشعرون بالانتماء والدفء والأمان. صندوق صدى عائلي يهيئهم لأسبوع كامل. بعد الطبق الأول، جرعة صغيرة من العرق أو كأس بيرة، أنشودة “צור משלו אכלנו” وبركة الطعام، يحدث التوازن. يهدأ الجسد، يتسع القلب، وتجد الحياة اليومية مكانها من جديد.
ولكن كما كل سحر، لسحر التشولنت عمر قصير. يوم الأحد، إن تبقى شيء منه، تتلاشى النكهة ومعها الوهم. التشولنت خُلقت لصباح السبت فقط. بعد السبت تصبح مثل عجة تحاول أن تعود بيضة.
هناك أطعمة تُطهى طويلاً لتذكّرنا بلحظات قصيرة. والتشولنت؟ دليل على أن الرائحة يمكن أن تكون آسرة، صحفية، راوية حكايات، ونبوءة صغيرة بشتاء جيد.


