الساعات الأخيرة في بيت المقدس تعكس واقعاً يتجاوز مجرد يوم آخر من الاحتجاج. فالمتظاهرون المطالبون بعودة الحتوفين مقتنعون أن أقل من عشرة ما زالوا على قيد الحياة في غزة، محتجزين في ظروف قاسية وربما مجاعة. بالنسبة لهم، كل ساعة تمر تعني اقتراب النهاية. في المقابل، تقف قوات الشرطة وحرس الحدود التي يُطلب منها أن تتيح حرية الاحتجاج، ولكن في نفس الوقت أن تمنع انهيار النظام في مدينة تغلي من الداخل.
المواجهات والاعتقالات في جفعات رام القدس
على هذا الأساس، تحولت جفعات رام إلى بؤرة متوترة. فقد صعدت مجموعة صغيرة من المتظاهرين إلى سطح مبنى، ورفعوا لافتات، وأشعلوا قنبلة دخان، ورفضوا أوامر الشرطة المتكررة بالنزول. وبعد عدة إنذارات عبر مكبرات الصوت، نزلوا في النهاية وتم اعتقالهم. وبالمحصلة، تم توقيف أكثر من عشرة متظاهرين ونُقلوا للتحقيق.
هذه اللحظة – متظاهرون يطالبون بإنقاذ الحتوفين في مواجهة مباشرة مع قوات الأمن – تجسد الشرخ الذي يحول الاحتجاج إلى صدام.
.
دروس من الحروب الأهلية في العالم
التاريخ يقدم مقارنات مؤلمة. ففي التسعينيات انزلقت يوغوسلافيا من مظاهرات محلية إلى حرب أهلية مزقت المجتمعات. وفي ثلاثينيات القرن الماضي سقطت إسبانيا في صراع دموي بعد أن خرج التوتر بين الجمهوريين والوطنيين عن السيطرة.
في الحالتين، بدأت الشرارة صغيرة – لكنها فجرت ناراً أحرقت بلداناً كاملة.
أنماط الانزلاق نحو حرب أهلية
عادة ما تبدأ الحروب الأهلية بنفس النمط: احتجاجات شعبية تصطدم بمؤسسات الدولة، يتآكل الثقة بالسلطة، وتزداد الانقسامات صلابة. لبنان في سبعينيات القرن الماضي مثال قريب، حيث تحولت التوترات الأولية إلى حرب دموية استمرت سنوات. سوريا سلكت مساراً مشابهاً بعد عقود، حيث تحولت المظاهرات إلى حرب أهلية شبه مفاجئة.
من خلال هذه العدسة، لا تبدو القدس استثناءً، بل حلقة جديدة في نمط مألوف وخطير.
(جزء من المقدسيين ينقلبون على احتجاجات الحتوفين)
الحتوفين في غزة والوقت ينفد
في قلب هذه الأزمة يقف مصير الحتوفين. فالمحتجون يؤكدون أن “الآن أو لا أبداً” ليس شعاراً بل حقيقة. كل تأخير، كما يقولون، يعني نهاية مؤكدة.
هذا الخوف العاجل هو ما يدفعهم لمواجهة الشرطة، إغلاق الطرق، والمخاطرة بالاعتقال. ومع ذلك، بالنسبة لكثير من سكان القدس، فإن التصعيد لا يعكس فقط التضامن مع الحتوفين، بل يشير أيضاً إلى احتمال انهيار النظام المدني في شوارعهم.
القدس كمدينة على الحافة
وعند جمع الصورة الكاملة، نجد مشهداً صارخاً: مدينة منقسمة، متظاهرون يائسون، قوات أمن مرهقة، وسكان عالقون في الوسط. مشاهد المواجهات والاعتقالات في جفعات رام تنضم إلى سلسلة من التحذيرات التاريخية – أن المجتمعات إذا تجاوزت خطاً معيناً، يصبح الرجوع شبه مستحيل.
وبالنسبة للقدس، الرهان لا يمكن أن يكون أعلى: مدينة طالما اعتبرت رمزاً للصمود قد تكون الآن على بعد خطوة واحدة فقط من تمزيق نفسها بنفسها.


