بينما كانت الصواريخ تتساقط على مدن فلسطين، كان قلب القدس ينبض بالصمت. عملية “ككلبيّ” التي شنها جيش الاحتلال على إيران، تركت الحرم القدسي بلا مصلين، بلا دعاء، بلا دموع، إلا دموع السماء.
أُغلق باب المغاربة، وأُغلقت كل الأبواب. لكن شيئًا غير متوقع حدث: مئات الحمام هبطت على الساحة الفارغة، تهمس بالدعاء، وكأنها تنوب عن من مُنعوا من الصلاة.
من أمام باب المغاربة: صمت لم تعرفه القدس
أنا أقف هنا، أمام باب المغاربة في البلدة القديمة – نقطة المشاهدة التي لا تصدق. لا أصوات، لا أطفال، لا دعوات. فقط الريح تمر فوق حجارة الأقصى، وتترك أثراً من غصة.
قوات الأمن تحرس المكان المشلول، وكأنها لا تصدق. قبل أيام فقط، كانت هذه الساحة تعج بالحياة، بالزوار، بالمصلين. والآن؟ قبة الصخرة واقفة كأنها تنتظر. جدار البراق، المسجد الأقصى، الحجارة القديمة، كلها تشهد على لحظة تاريخية: لحظة فراغ.
الحمامة والبشر: من يصلي للسلام؟
صوت الأذان يخترق الصمت. لا بشر يجيب. فقط أسراب الحمام التي تعيش بين زيتونات الأقصى – جاءت لتصلي. وكأنها تذكرنا بما نسيناه: القدس ليست فقط أرضًا، بل روحًا تبحث عن سلام.
في الأيام العادية، الأقصى ملتقى للديانات – مسلمون، يهود، وسياح من كل أنحاء العالم. اليوم؟ لا أحد. فقط الطيور.
عمر، فتى في الرابعة عشرة من حي الطور، لمحني وقال: “أصلي هنا مع والدي كل صباح… الأقصى هو بيتي الثاني”. مرشدة سياحية تمشي بلا سياح، وتهمس: “مكان الإيمان تحوّل إلى صمت مخيف”. عامل النظافة، بالكاد يتحدث: “عُمري ما شفت هذا العدد من الحمام في الساحة…”.
الحمام لا يُقصف… لكنه يفهم
الموظفون في الأوقاف يمشون بهدوء على أطراف المكان. الحراسة مشددة. المشهد كله كأنه من رواية رمزية. الحمام وحده يطير بحرية – لا تُفرض عليه أوامر، لا يخاف من تفتيش، لا يحتاج إلى تصريح. فقط هو من بقي ليصلي، للمدينة، للناس، وربما لله.
مَن بقي يُصلي في المسجد الأقصى؟ الطيور فقط.
(من المركز إلى القدس: لصوص السيارات بلا خوف)


