حصاد الزيتون في القدس – هدية من أرض صامدة

بعد صيف طويل وحار، تستيقظ أشجار الزيتون في القدس لتبدأ موسم الحصاد، وتروي حكاية أمل وصمود وسلام
حصاد الزيتون في القدس خلال فصل الخريف، أشجار زيتون عريقة وزيتون أخضر طازج في سوق محني يهودا.
أشجار زيتون عريقة وزيتون أخضر طازج في سوق محني يهودا في القدس (Photo: Jerusalem Online News - Bari Shahar)

الشجرة التي زرعتها في بيتي في القدس عام 1995، في السنة التي اغتيل فيها رئيس وزراء في إسرائيل، أصبحت اليوم شجرة ضخمة مثمرة. إنها تذكرني كل خريف بأن موسم الحصاد قد بدأ. شجرة خُلقت لتكون رمزاً للسلام، ما زالت تنبض بالحياة في كل زاوية من القدس، ومعها الأمل بأن يتحقق السلام يوماً ما.

عودة رائحة السلام إلى المدينة

يأتي موسم حصاد الزيتون في القدس هذا العام متأخراً عن المعتاد. بعد صيف طويل وحار بشكل غير مسبوق، بدأت أشجار الزيتون المنتشرة على التلال المحيطة بالمدينة، من جفعات شاؤول حتى حر جيلو، تتعافى ببطء من شمس قاسية. في الأرض اليابسة تبدو الثمار أصغر من المعتاد، لكن الزيت المستخرج منها كثيف وعطري وغني، هدية مقدسية وُلدت من عناد الأرض وصبرها.

لكن في مدينة تكاد لا تخلو فيها ساحة من شجرة زيتون، لا يُعتبر الحصاد مجرد زراعة، بل طقساً محلياً وهوية متجذرة. في أحياء نحلاوت والمستعمرة اليونانية وبيت هكرم ومنحدرات أرمن هناتسيف، تبقى شجرة الزيتون رمزاً للاستمرارية. ظل أخضر يرافق القدس منذ أيام الكتب المقدسة.

زرعت أشجار الزيتون في القدس منذ تأسيس أحيائها الأولى، إلى جانب الرمان والصفصاف والحمضيات، لتصبح جزءاً من نسيج المدينة وروحها. في كل خريف، حتى لو لم يشارك الجميع في الحصاد فعلياً، تبقى الشجرة رمزاً للثبات والسلام. من ينظر إليها اليوم يرى قلب القدس التاريخية، الصامدة والشجاعة.

زيت القدس يتدفق نحو المعاصر والأسواق

على التلال المحيطة بالقدس، من سهول بيت لحم حتى جبال يهودا، يظهر موسم الحصاد كل عام من جديد. تتبدل ألوان البساتين من الأخضر العميق إلى الأصفر الفضي، وفي معاصر أبو غوش وتصور هداسا وحتى جبعون الجديدة، بدأت تتدفق أولى قطرات الزيت الطازج. في سوق محني يهودا، قلب الفولكلور المقدسي، تُفتح الأكشاك التقليدية من جديد. بجانب الكنافة والقهوة المحمصة، تصطف أكوام الزيتون الأخضر والأسود بانتظار من يشتري ويكسر وينقع ويملح ويضيف أوراق الغار والفلفل الحار. وحتى مع تحوّل السوق إلى وجهة سياحية أكثر كل عام، تبقى فيه زاوية صغيرة لذكريات الحصاد القديم.

شجرة الزيتون في القدس – رمز الصمود والأمل

يذكر موسم الحصاد الإنسان بأن كل شيء مرتبط: المناخ، الأرض، والحياة. حتى في مدينة مبنية من الحجر، تهمس الجذور بأنّها ما زالت هنا، تنتظر المطر الأول لتقوى من جديد. فالقدس، مثل زيتونها، تعرف كيف تنتظر، وتدرك أنّ أجود الزيت، مثل السلام أو الأمل، لا يُولد إلا مع مرور الوقت.

وفي هذه الأثناء، يفرش السكان العرب في المدينة الحصر تحت أشجار الزيتون قرب حديقة الجرس وجبل الزيتون ووادي هنوم وعلى طول وادي قدرون وشمال رموت، يضربون الأغصان حتى يتساقط المطر من الزيتون والأغصان، وعلى الشجرة تبقى الحمامة.