في مدينة تتراكم فيها الذاكرة فوق الحجر، حتى الزوايا الضيقة قد تحمل عوالم كاملة من الحكايات. أحد الأزقة القديمة في القدس، الذي كان يختفي بصمت عن العيون، عاد إلى الضوء بعد مراسم بسيطة ذات معنى عميق. ما بدا ممراً منسياً أصبح فجأة تذكيراً بالعلاقة المتشابكة بين الناس والمكان والتاريخ في المدينة.
حيّز مخفي من القدس يعود للواجهة
القدس معروفة بمعالمها الكبرى ومساراتها المقدسة وأسواقها المزدحمة، لكن خلف الشوارع الرئيسية تختبئ ممرات ضيّقة شكّلت حياة يومية لأجيال. أحد هذه الأزقة، الواقع في حي قديم من المدينة، أُعيدت تسميته مؤخراً تكريماً لامرأة تركت أثراً واضحاً في محيطها.
لسنوات، يروي السكان كيف كان الزقاق يمتلئ بروائح مألوفة وأصوات قريبة وإيقاع هادئ للحياة. كثيرون يتذكرون رائحة الفاصوليا الخضراء المطبوخة بصلصة البندورة وهي تنتشر في المكان، ممتزجة بخطوات المارة ونداءات الجيران. كان الزقاق مساحة يعرف فيها الناس بعضهم بالصوت والوجه والضيافة. المرأة التي سكنت هناك أصبحت مرجعاً هادئاً للجوار، تحل الخلافات وتستقبل الضيوف وتعتني بالممر كأنه امتداد لبيتها.
مؤخراً، اجتمع الأهالي والأقارب ومسؤولون من المدينة في مراسم صغيرة لتخليد اسمها على الزقاق. حضر رئيس بلدية القدس وأشار إلى قوة العطاء الفردي وقدرة شخص واحد على تشكيل روح المكان. ما كان يبدو ممراً جانبياً مهملاً تحوّل إلى قصة انتماء وذاكرة واستمرار.
الأزقة الضيّقة تحمل تاريخاً غير معلن
هذا الزقاق ليس حالة فريدة. في أنحاء القدس، من أسواقها التاريخية إلى الأزقة القريبة من نحلؤوت وقطمون ومحمية يهودا ومركز المدينة، توجد ممرات ضيّقة تحمل حكايات لم تُروَ. هناك بقايا محادثات ومحال عائلية وطلاء باهت وأحواض زهور وأبواب شهدت عقوداً من التغيير. كل زاوية تكشف طبقة هادئة من الحياة الحضرية لا يراها الزائرون كثيراً وينساها السكان أحياناً.
(قلب بيت المقدس ينهض من جديد: افتتاح حديقة الورود)
إعادة الاهتمام بهذا الزقاق فتحت الباب للحديث عن غيره. بدأ السكان يشاركون ذكريات عن ألعاب الطفولة في الممرات الضيقة، وجيران أصبحوا رموزاً محلية، وزوايا ما زال الماضي يلمع فيها بتفاصيل يومية. هذه الأزقة تُظهر أن أصغر الأمكنة قد تحتوي على أعمال محبة وذاكرة وهوية صنعت المدينة بعيداً عن الأضواء.
في مدينة يرتبط فيها الاستثنائي بما هو ظاهر وكبير، يذكّر هذا الزقاق القدس بأن قلبها الإنساني قد يسكن أيضاً في أضيق المسارات. بإحياء زاوية واحدة منسية، أُعيد إلى الواجهة عالم كامل من الحكايات.


