في قلب القدس، وبين صمت الصباح الذي يسبق حركة المدينة، يظهر وجه آخر للمدينة التي اعتاد الناس رؤيتها مزدحمة وصاخبة. المدخل الغربي للقدس، الذي تمر منه آلاف الخطوات يومياً، يكشف في هذه الساعات عن مساحة نادرة لا تشبه ما نعرفه في أيام الأسبوع.
الضباب الخفيف الذي غطى الأبراج القريبة من جسر السكاك، والهدوء الذي استقر فوق مفترق الطرق بين محطة القطار ومحطة الحافلات المركزية، أعاد للمدينة ملامح قديمة. شوارع اعتادت الضجيج باتت مبللة، جامدة، وكأنها تستعيد نفسها بعيداً عن الأنفاس المتلاحقة التي تملؤها عادة.
في الأزقة المحيطة بالمدخل، تتساقط قطرات الماء على المقاعد المعدنية الخالية، ويعيد المطر لون الحجارة إلى نضارتها الأولى. على الأسطح، تستقر طبقة جديدة من الرطوبة، وتخرج من النوافذ المغلقة روائح مألوفة – حناء، يخنة دافئة، وحكايات صباحية لمنازل تنتظر يومًا جديدًا.
لماذا يبدو مدخل القدس شبه خالٍ في ساعات الصباح؟
في الوقت الذي تنتظر فيه إشارات المرور عابري الطريق، تظل الشوارع الكبرى – عبر الشهداء، ومنطقة المحطة، وشارع سري إسرائيل – بلا حركة تقريباً. لوحة إلكترونية في إحدى محطات القطار الخفيف تعرض عبارة واحدة: “لا حركة في الوقت القريب”.
لكن هناك من يبدأ يومه مبكراً رغم السكون: رجال الشرطة وعناصر الإطفاء في بداية نوبة جديدة، العمال الأجانب المتوجهون لرعاية المسنين، والعداؤون الذين يصرّون على جوجينغ الصباح حتى لو امتلأت الطرقات بالماء. وبينهم امرأة مسنة تُعرفها الأحياء، خرجت كي تطعم الحمام والقطط في شارع “هيخال همشبات”.
لماذا غاب طائر الهازجة البيضاء عن سماء الصباح في القدس؟
بين الحمام والعصافير والغربان التي تبحث عن فطورها، يختفي طائر الهازجة البيضاء – المؤشر الطبيعي على اقتراب البرد. هذا الطائر الذي اعتاد أهل القدس رؤيته في مثل هذا الوقت، تغيّب عن حضوره اليوم. ربما سبق الموعد، ربما تباطأ، وربما وجد دفئاً أبعد قليلاً.
في سوق محانيه يهودا، يغسل المطر بقايا الليل. الباعة لم يفتحوا بعد، والممرات التي تمتلئ عادة بالمناداة والروائح، تبدو الآن كأنها تنصت لخطوات قليلة ومتقطعة. وفي المساجد المنتشرة بين أحياء المدينة، ترتفع تلاوة صلاة الفجر، ويتردّد صوت المطر بين الحجارة القديمة كأنه جزء من الدعاء.
القدس في هذه الساعات لا تزهو بقدرتها على الحركة، بل بقدرتها على التوقف – على منح المدينة فرصة لالتقاط أنفاسها بين عدّاء يسبق طلوع الشمس ومصلٍّ يتهيأ لدخول بيت الله.


