القدس مدينة لا يعيش تاريخها في الكتب فقط، بل في شوارعها وأحيائها ومواقعها التاريخية. فالأماكن المنتشرة في المدينة ما زالت تروي فصولاً من صراع قديم على السيادة والاستقلال.
في 9 مارس 1947 اعتُقل موشيه برزاني في أحد شوارع القدس وكان يحمل في جيبه قنبلة يدوية من طراز ميلز. هذا الاعتقال قاد إلى واحدة من أكثر القصص دراماتيكية في فترة الصراع ضد الحكم البريطاني في فلسطين الانتدابية، وهي قصة برزاني ومئير فاينشتاين، مقاتلي التنظيمات السرية اللذين تحولت قصتهما لاحقاً إلى رمز في الذاكرة الوطنية.
اليوم، ومع الواقع الأمني المتوتر في القدس في ظل “زئير الأسد”، ما زالت تلك القصة التاريخية تتردد في الفضاء العام للمدينة وفي مواقع الذاكرة المنتشرة فيها.
كيف أصبحت القدس جزءاً من قصة برزاني وفاينشتاين؟
تحفظ القدس ذكرى المقاتلين من خلال عدة مواقع في المدينة.
أحد هذه المواقع هو شارع عولي هَغَردوم في حي أرמון هَنَتسيف في القدس. سُمّي الشارع على اسم مقاتلي التنظيمات السرية الذين أُعدموا على يد السلطات البريطانية. ومن المفارقات الرمزية أن الحي يطل على المنطقة التي كان يقيم فيها المندوب السامي البريطاني.
موقع مهم آخر هو متحف أسرى التنظيمات السرية في المجمع الروسي في القدس. الزنزانة التي احتُجز فيها برزاني وفاينشتاين ما زالت محفوظة تقريباً كما كانت. ويمكن للزوار في شارع هيليني همَلْكا الوقوف في المكان الذي شهد أحد أكثر أحداث تلك الفترة دراماتيكية.
كما يرتبط جبل الزيتون في القدس بقصتهما. فبينما دُفن معظم من عُرفوا باسم “عولي هَغَردوم” في صفد بسبب مخاوف البريطانيين من اضطرابات في القدس، دُفن برزاني وفاينشتاين في المدينة التي عملا فيها. وتقع قبراهما في قسم يُعرف باسم شهداء التنظيمات السرية ويطل على الحرم القدسي.
ماذا حدث في زنزانة السجن في الليلة التي سبقت الإعدام؟
خلال محاكمته العسكرية رفض برزاني الاعتراف بسلطة المحكمة البريطانية. وقال للقضاة:
يرى الشعب العبري فيكم عدواً وحكماً أجنبياً في وطنه. نحن مقاتلي حرية إسرائيل نقاتلكم من أجل تحرير وطننا. لن تخيفنا المشانق ولن تنجحوا في القضاء علينا.
حُكم على برزاني بالإعدام شنقاً، ووُضع في زنزانة مع مئير فاينشتاين، وهو مقاتل في منظمة إتسل صدر بحقه الحكم نفسه.
وصلت طلبات عديدة للعفو إلى المندوب السامي البريطاني، من بينها طلبات من دافيد بن غوريون ويتسحاق بن تسفي والحاخامين الرئيسيين وأفراد من عائلات السجينين، إلا أن الاثنين رفضا تقديم طلب عفو.
نجح رفاقهما في تهريب قنابل إلى داخل الزنزانة كانت مخبأة داخل قشور برتقال مفرغة. وكانت خطتهما الأصلية إلقاء قنبلة على فريق تنفيذ الإعدام، وإن لم ينجح ذلك فضلا الموت معاً بدلاً من الصعود إلى المشنقة.
في ليلة 21 إلى 22 أبريل 1947، وقبل ساعات قليلة من موعد تنفيذ حكم الإعدام في سجن القدس، فجّر الاثنان القنبلة داخل الزنزانة. وهكذا أصبحت قصتهما واحدة من أبرز رموز نضال التنظيمات السرية.
كيف ترتبط هذه القصة التاريخية بواقع القدس اليوم؟
اسم “زئير الأسد” يعكس بالنسبة لكثيرين فكرة الدفاع عن البلاد والحفاظ على السيادة.
بالنسبة لسكان القدس، فإن ذكرى برزاني وفاينشتاين هي جزء من سلسلة تاريخية طويلة مرتبطة بالمدينة. وحتى بعد مرور عقود، ما زالت قصتهما حاضرة في المشهد الرمزي والتاريخي للقدس.


