في شارع طريق بيت لحم في حي البقعة ببيت المقدس، يقف شجر سرو ضخم مائل بزاوية حادة فوق الطريق. المارة يرفعون رؤوسهم: بعضهم يلتقط الصور، آخرون يتمتمون بقلق، فيما يواصل كثيرون سيرهم كالمعتاد. المشهد لافت، يكاد يكون شعرياً، لكنه يثير سؤالاً عملياً – ماذا لو سقط؟
هذا الخوف ليس افتراضياً. قبل أسابيع قليلة، سقطت شجرة في شارع عمق رفائيم القريب فوق سيارة مارة، ما أدى إلى إصابة السائق بجروح متوسطة. الحادثة هزّت سكان القدس وأظهرت مدى هشاشة التوازن بين المشهد الأخضر والتراثي وبين سلامة الناس في المدينة. في بيت المقدس، حيث توجد آلاف الأشجار المعمّرة التي يعود عمر بعضها إلى قرون، تتجدد المعضلة: كيف نحافظ على التراث الطبيعي من دون تعريض حياة المارة للخطر؟
سلامة الأشجار في القدس
بلدية القدس تجري فحوصاً دورية للأشجار، ترصد علامات التعفن أو الجذور المكشوفة، وأحياناً تقرر تقليمها أو إزالتها إذا وُجدت خطرة. ووفق بيانات وزارة الزراعة الإسرائيلية، يتم تسجيل عشرات حوادث سقوط الأشجار سنوياً، خصوصاً في أشهر الشتاء العاصفة. ومع ذلك، لا يمكن التنبؤ بكل حادثة. فالتغير المناخي، والعواصف المفاجئة، والتغييرات في التربة الحضرية كلها عوامل تزيد هشاشة الأشجار.
ومن هنا تبرز أهمية النظر في تجارب مدن أخرى.
حلول سقوط الأشجار في لندن وباريس ونيويورك
في لندن، تم إطلاق برنامج لرسم خريطة إلكترونية لكل شجرة عامة، مع تقييم لقوة جذورها وصحة فروعها. أما في باريس، فقد وُضعت حساسات حول الأشجار التاريخية في ساحة فوزج، ترسل إنذارات عند أول مؤشر ضعف. وفي نيويورك، أُنشئت وحدة خاصة لإدارة الغابات الحضرية، تقوم بآلاف عمليات التقليم الوقائي كل عام. هذه التجارب توضح أن التوازن بين الحفاظ على التراث وضمان السلامة ممكن، لكنه يحتاج إلى استثمار دائم.
لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي.
(سقوط شجرة على سيارة ناشيونال جيوغرافيك في بيت المقدس)
مسؤولية المجتمع والإبلاغ عن الأشجار الخطرة
تشير الدراسات إلى أن المدن التي يُبلّغ فيها السكان عن الأشجار الخطرة تشهد عدداً أقل بكثير من حوادث السقوط. ففي ميونخ، أُنشئ خط ساخن مباشر للإبلاغ عن الأشجار، مما أدى إلى انخفاض كبير في الحوادث خلال سنوات قليلة. وفي القدس، حيث تقليد المشاركة المجتمعية قوي، يمكن لتبني نموذج مشابه أن يعزز الثقة بين السلطات والسكان.
وهكذا يصبح الشجر المائل في طريق بيت لحم رمزاً يتجاوز المشهد المحلي: مزيج من جمال وتاريخ ومسؤولية، وسؤال يومي بسيط – هل من الآمن المرور تحته؟
الاستعداد لمخاطر سقوط الأشجار في بيت المقدس
فهل من الخطر العطس قربه؟ على الأرجح لا. لكن الخطر الحقيقي يكمن في التهاون. الأشجار القديمة جزء لا يتجزأ من نسيج القدس، تمنح ظلاً وهوية وصلة بالماضي. غير أن حادثة عمق رفائيم بمثابة جرس إنذار. القضية ليست إن كان شجر آخر سيسقط، بل متى – وهل ستكون بيت المقدس مستعدة لذلك؟


