اللوبية في سوق “محني يهودا”، بين ألم بيت المقدس وبركة سنة جديدة.
في صباح يوم الاثنين، استيقظت بيت المقدس على حدث أليم. عملية إطلاق نار عند مفترق “رموت” أودت بحياة أناس كانوا في طريقهم إلى العمل والدراسة. ظل الحزن يخيم في الأجواء، لكن بعد ساعات قليلة عاد صوت القطار الخفيف في شارع يافا، وعاد صخب الحياة ليملأ السوق. تدفق الزوار إلى الأزقة المعروفة: مقدسيون من “بسغات زئيف” و”حي البخاريين”، إلى جانب طلاب من “أوشيشكين” و”أغريباس”. الجميع يتجولون بين البسطات يبحثون عن اللوبية، أو “الروبية” كما تُعرف أحيانًا.
اللوبية كرمز لسنة جديدة
هذه الخضرة علامة بركة لرأس السنة العبرية، رمز للتكاثر والرزق والأعمال الصالحة.
في بسطـة أبو أحمد في زقاق “بري عتس”، تتكدس أكوام اللوبية الخضراء الطازجة بسعر 24 شيكل للكيلوغرام، وتُخطف بسرعة من المتسوقين. بيت المقدس تواصل التمسك بالحياة وبالأمل في سنة أفضل. “أمي كانت ترسلني في السبعينات لشراء اللوبية من السوق العراقي”، تقول إحدى الزبونات وهي تملأ كيس النايلون بالقرون. “كانت دائمًا تطبخها مع مكعبات صغيرة من اللحم… كان طعمها لا يُنسى”.
في بيوتنا، كانت الأمهات يطبخن اللوبية اليابسة اللذيذة في العيد. كنا ننتظر لحظة التبرك بها بعد التفاح بالعسل والرمان وبقية الرموز. لوبية دافئة ومريحة، طرية وناعمة بطعمٍ يبقى في الذاكرة.
تقاليد التسوق لرأس السنة في بيت المقدس
“عندنا في السوبرماركت قرب البيت في “هار حوما” لوبية”، يقول أحد المتسوقين لصديقه، “لكن أفضل أن آتي بالحافلة وأواصل بالقطار الخفيف حتى محني يهودا، والهدف أن أعود بلوبيـة طازجة ورمان من الشجرة وكراث كبير. القلب يجذبني إلى هنا… إنه جزء من تجربة التحضير لرأس السنة”.
“صحيح” يرد الآخر. “الحمد لله وجدت موقفًا للسيارة قرب سوق الكنيون وجئت بلا مشاكل”.
بعيدًا عن السعر والرمزية، اللوبية معروفة كغذاء خارق. غنية بالبروتين النباتي والحديد والألياف. حبوبها اليابسة تشبه الفاصوليا البيضاء، لكن طعمها يحمل حلاوة خفيفة. قرونها الخضراء تذكّر بالفاصوليا الخضراء التي تملأ هي الأخرى البسطات.
(الرمان في سوق مهانة يهودا: بركة الوفرة في بيت المقدس)
غذاء خارق بتاريخه العريق
اللوبية، المعروفة أيضًا بـ”الفاصوليا ذات العين السوداء”، أصلها من الهند ومناطق واسعة من آسيا. في فلسطين التاريخية تُزرع في الجولان ووادي الأردن ووادي الحولة والساحل. ويحذر المزارعون من أن هذا المحصول يختفي مع اختفاء المواطن الرطبة التي تحافظ على المياه وجودتها.
وكيف نطبخها؟
يمكن سلقها وتفريزها مع الصويا، أو قليها مع الثوم والليمون والأعشاب، أو طبخها مع اللحم والبصل المقلي ومعجون الطماطم.
اللوبية خضرة متواضعة لكنها مؤثرة. تجمع بين ذاكرة مقدسية قديمة ورمز احتفالي للتجدد. هذا العام، في ظل الفقدان والحزن والعمليات والحرب، وعلى موائد رأس السنة والكراسي الفارغة بانتظار الأسرى، ستحمل القرون الخضراء الصغيرة ليس فقط تقاليد وبركات، بل رسالة بسيطة: رغم كل شيء، بيت المقدس مستمرة في الحياة، بالأمل في سنة أكثر هدوءًا وعدلاً.


