شهدت مدينة القدس في الصيف الماضي موجة حر استثنائية، حيث تجاوزت درجات الحرارة المعدلات المعتادة حتى في الأحياء الجبلية المرتفعة. بالنسبة للكثير من السكان الذين اعتادوا على هواء الجبال البارد نسبيًا، كانت هذه التجربة بمثابة إنذار مبكر عن تغيّر المناخ. ما كان يُعتبر في السابق صيفًا مقبولًا مقارنة بالمدن الساحلية أصبح اليوم تحديًا متواصلاً. ومن هنا تبرز صورة أوسع للتغيّرات المناخية في المدينة.
موجات الحر في القدس تحطّم الأرقام القياسية
لم تكن الموجة الأخيرة حادثة منفردة بل جزءًا من سلسلة متصاعدة. خلال الصيف بدت القدس أقرب إلى مدن الصحراء منها إلى عاصمة جبلية. وأظهرت القياسات أنّها واحدة من أشد الفترات حرارة في السنوات الأخيرة. السكان تحدثوا عن صعوبات يومية – من العمل في الهواء الطلق إلى استخدام المواصلات العامة المزدحمة والحارة.
على خلفية ذلك، يشير الخبراء إلى أنّ عدد الأيام الحارة جدًا في القدس يزداد عامًا بعد عام. تقرير لدائرة الأرصاد الجوية الإسرائيلية كشف عن ارتفاع حاد في عدد “الليالي الاستوائية” في العقد الأخير، وهي ليالٍ تبقى فيها الحرارة مرتفعة وتؤثر على النوم وصحة الناس. وهذا يقود إلى التساؤل عن مدى جاهزية المدينة لمواجهة هذه التحديات.
تغيّر المناخ يصل إلى المدينة الجبلية
الآثار لا تظهر فقط على أجهزة القياس بل أيضًا في تفاصيل الحياة اليومية. يحذّر خبراء المناخ من أنّ القدس ليست بمنأى عن ظاهرة الاحتباس الحراري. الصيف الذي كان يُنظر إليه كمَلاذ نسبي من حرّ البلاد بات يفقد خصوصيته. يشعر السكان بأن الفارق بين القدس والسهل الساحلي يتقلّص بسرعة.
وبالتوازي، تعاني النباتات المحلية من صعوبة البقاء. الحدائق العامة تحتاج إلى ريّ متزايد، والأحياء القديمة ذات البنية التحتية الضعيفة تتضرر أكثر مع موجات الحر. الخبراء يجمعون على أنّ المدينة بحاجة إلى تخطيط عمراني ذكي لمواجهة ارتفاع الحرارة. وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن التوفيق بين البناء المستمر والحاجة للتكيّف مع مناخ أشد قسوة؟
(موجة حر في بيت المقدس؟ الاحتفالات مستمرة عند حائط البراق)
القدس بين الطبيعة والمدينة المحترقة
لكن التأثير لا يقتصر على البشر فقط. الحيوانات أيضًا تضطر للتأقلم مع الواقع الجديد. ازداد رصد الناس لحيوانات في الحدائق العامة أو في المناطق المفتوحة المحيطة بالأحياء. هذه المشاهد تجسد واقعًا جديدًا حيث الطبيعة نفسها تُجبَر على التغيّر. وفي الوقت ذاته تجف النباتات بسرعة أكبر ويبحث السكان عن الظل ووسائل التبريد.
وعلى هذا الأساس، يصبح المشهد المناخي للقدس أيضًا جزءًا من هويتها: كيف تتحول مدينة جبلية عُرفت ببرودتها إلى مساحة حضرية حارة ومزدحمة. هذه التحولات تضع العاصمة عند مفترق طرق – بين التوسع العمراني من جهة والحفاظ على جودة الحياة من جهة أخرى. والسؤال الأوسع: هل تستطيع القدس تحويل هذا التحدي إلى فرصة لنموّ أكثر خضرة وصلابة؟


