في السنوات الأخيرة تبدو القدس وكأنها ورشة عمل مفتوحة لا تنتهي. شوارع تُفتح وتُغلق، حفر تُعاد مراراً، حواجز معدنية ترافق معظم المحاور الرئيسية، والمشي البسيط في المدينة أصبح أشبه بتحدٍ يومي. بين الضجيج والغبار والازدحام، يتراجع الحيّز العام، ومعه يتآكل شعور الانتماء للمكان.
البناء لا يتوقف، بل يتسارع. أبراج ترتفع بسرعة، أحياء تمتلئ، والكثافة تتزايد. لكن مع هذا التوسع، تفرض حالة من التشابه نفسها: كتل متشابهة، خطوط متكررة، لغة معمارية واحدة تعيد إنتاج نفسها. الحجر المقدسي ما زال حاضراً، لكنه غالباً يتحول إلى واجهة فقط، رمز أكثر منه عنصراً حيّاً في تصميم متكامل.
من هو المعماري أندوني برمكي – وأي قدس حاول أن يبني؟
وسط هذا المشهد، يبرز سؤال عن شكل المدينة حين كانت تُبنى برؤية مختلفة. أحد أبرز من يجسد هذا الفارق هو المعماري أندوني برمكي، وهو معماري عربي مسيحي من مواليد القدس، سعى خلال فترة الانتداب البريطاني إلى صياغة لغة معمارية تجمع بين المحلي والعالمي.
درس برمكي في أثينا، حيث تعرّف على الأسس الكلاسيكية والتيارات الحديثة في أوروبا. وعندما عاد إلى القدس في عشرينيات القرن الماضي، لم ينقل ما تعلمه كما هو، بل أعاد صياغته. بقي الحجر، لكن الشكل تغيّر: خطوط أنظف، انفتاح على الضوء والمساحات، وارتباط أقوى بين المبنى والبيئة المحيطة. هكذا نشأت عمارة تبدو محلية ومنفتحة في آن واحد.
في ثلاثينيات القرن الماضي، أصبح اسمه مطلوباً لدى النخبة في المدينة. في أحياء مثل الطالبية والقطمون، صمّم عشرات الفيلات التي لم تكن مجرد مساكن، بل تعبيراً عن ذوق وثقافة. الحجر الأحمر من نوع “مِزّي”، الأقواس الرشيقة، والشرفات المفتوحة على الحدائق – كل ذلك منح القدس طابعاً أنيقاً، متصلاً بالعالم، لكنه يحتفظ بخصوصيته.
كيف تحوّل منزل أندوني برمكي في المصرارة إلى موقع حدودي في القدس؟
لم يبقَ مشروع برمكي في حدود الجماليات فقط، بل حمل لاحقاً بعداً تاريخياً معقداً. المنزل الذي بناه لنفسه في حي المصرارة عام 1932، وكان مساحة للقاء والثقافة، تحوّل خلال سنوات قليلة إلى شيء مختلف تماماً.
بعد عام 1948، اضطرت عائلته إلى مغادرته، وتحول المبنى إلى موقع عسكري عُرف باسم “موقع تورجمان”. المكان الذي صُمم للضيافة والنقاش أصبح نقطة مراقبة وحدود، تحمل معاني التوتر والخوف. الحجر بقي، لكن دلالته تغيّرت بالكامل.
لاحقاً، وبعد توحيد المدينة، لم يعد المنزل إلى وظيفته الأصلية. في موقعه أُقيم متحف على خط التماس، مؤسسة تتناول موضوعات الحدود والهويات والصراع والتواصل. حتى اليوم، لا تزال آثار الماضي ظاهرة على الجدران، إلى جانب محاولات لخلق حوار جديد داخل المساحة نفسها.
القدس اليوم ما زالت تتحرك بين هذه التناقضات. من جهة، توسع وتطوير مستمر، ومن جهة أخرى، حنين إلى لغة مختلفة، إلى مقياس إنساني أبسط، وإلى علاقة أوثق بين الإنسان والمكان. قصة برمكي ليست مجرد قصة عمارة، بل تطرح سؤالاً مفتوحاً: هل ما زلنا نعرف كيف نبني فكرة، وليس فقط مباني؟


