القدس للأثرياء فقط؟ كيف فقد حي الطالبية طابعه المحلي

كان حي الطالبية في القدس حيًا لحياة مشتركة، واليوم أصبح حكرًا على الأثرياء فقط: قصة تكشف دورة العقارات “الافتراسية” في المدينة
حي الطالبية في القدس مبانٍ حجرية تاريخية قرب مسرح القدس في ظل ارتفاع أسعار السكن
حي الطالبية في القدس، عمارة حجرية تاريخية في مواجهة واقع عقاري متغير (Photo: Jerusalem Online News)

في منتصف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، ما تزال القدس تتحرك بين تناقضات واضحة، بين المقدس واليومي، بين الماضي والحاضر، وبين هويات تلتقي أحيانًا وتتصادم أحيانًا أخرى. لكن في السنوات الأخيرة برز فجوة مختلفة، أكثر مباشرة في حياة الناس: الرغبة في العيش في المدينة مقابل القدرة الفعلية على تحمل تكاليف ذلك.

سوق الإسكان في القدس يواصل الارتفاع، وتقارير مكتب الإحصاء المركزي وبنك إسرائيل تعزز ما يشعر به السكان منذ فترة. الأحياء المركزية، وعلى رأسها حي الطالبية، أصبحت بعيدة المنال بالنسبة لكثيرين. أسعار الشقق تقترب من مستويات عواصم أوروبية، بينما تبقى الأجور المحلية أقل بكثير. الشباب، حتى المتعلمون وأصحاب المهن، يُدفعون إلى خارج المدينة، إلى ضواحي قريبة مثل مفاسيرت أو موديعين، أو يتركون حلم القدس تمامًا.

لكن الطالبية ليست مجرد أرقام. إنها أيضًا قصة.

عند التجول في شوارعها، يلفت الانتباه الحجر، الحجر المقدسي الثقيل، المنحوت بعناية، والذي يمنح المكان طابعًا من النظام والاستقرار يكاد يكون أوروبيًا. لكن خلف هذا المشهد، هناك فراغ يتسع. شقق تُشترى للاستثمار أو للاستخدام الموسمي تبقى مغلقة معظم أيام السنة، الأضواء تُشغّل أحيانًا فقط، والشوارع التي تبدو حية لا تعكس دائمًا حياة فعلية.

الحجر باقٍ. أما الحياة، فأقل حضورًا.

كيف كان حي الطالبية في القدس عندما كان مساحة لحياة مشتركة؟

في ثلاثينيات القرن الماضي، لم يكن حي الطالبية مجرد حي راقٍ، بل كان فكرة. مساحة عاش فيها عرب مسيحيون ميسورون، وموظفون بريطانيون، ومهنيون يهود، إلى جانب بعضهم البعض، وأحيانًا ضمن لغة ثقافية مشتركة.

المنازل هنا لم تكن مجرد مبانٍ. كانت تعبيرًا عن رؤية. من اختار السكن في الطالبية أراد الانتماء إلى عالم حديث ومفتوح، ينظر إلى أوروبا لكنه متجذر في المنطقة. العمارة، الخطوط النظيفة، الحجر المصقول بعناية، كلها عكست إيمانًا بالنظام وبالمستقبل.

لم يكن المكان خاليًا من التوترات، لكنه حمل محاولة حقيقية، نادرة نسبيًا، للعيش معًا، لا مجرد التواجد جنبًا إلى جنب، بل مع قدر من القرب الإنساني.

في ذلك الوقت، لم يكن الحجر مجرد مادة. كان وعدًا.

ماذا حدث للطالبية بعد عام 1948 وكيف يرتبط ذلك بأسعار السكن في القدس اليوم؟

ثم جاء الكسر. لم يكن عام 1948 مجرد تحول سياسي، بل كان أيضًا انقطاعًا إنسانيًا عميقًا. غادرت عائلات، وانتقلت ملكيات، وتفككت المساحة المشتركة التي تشكلت هنا خلال وقت قصير.

الشوارع بقيت. الحجر بقي. لكن القصة تغيّرت.

أصبحت الطالبية حيًا مختلفًا، إسرائيليًا، دبلوماسيًا، هادئًا، يحمل طابعًا مغايرًا تمامًا لما كان عليه في السابق. وتحت السطح، بقي إحساس بالفقد، وسؤال مفتوح عمّا كان يمكن أن يكون.

اليوم، وفي ظل أسعار عقارات مرتفعة جدًا، أصبح الحي يرمز إلى شيء آخر تمامًا. لم يعد مكانًا للقاء، بل للفرز. ليس لحياة مشتركة، بل لنجاح اقتصادي يُقصي الآخرين. المزيد من العقارات مملوك لأشخاص لا يعيشون في المدينة بشكل دائم، وإيقاع الحياة اليومية يتلاشى تدريجيًا.

وعند النظر إلى الحجر مرة أخرى، يصعب عدم رؤيته بشكل مختلف. لم يعد مجرد عنصر معماري، بل شاهد. يحمل في داخله أصواتًا بلغات مختلفة، وحيوات متباينة، وواقعًا لم يعد موجودًا.

في النهاية، السؤال الذي يطرحه حي الطالبية يتجاوز حدوده: من يستطيع اليوم أن يعيش في القدس؟

الحجر هو نفسه. البيوت هي نفسها.
لكن المدينة، ومن يعيش فيها، لم يعودوا كما كانوا.