صوتٌ غريب بدأ يتردّد في أزقة البلدة القديمة قرب باب يافا. لا طبول، لا أبواق – فقط ضربات خشب قوية ومتكررة على الحجارة. لم يكن ذلك مجرد إيقاع، بل دعوة للانتباه. توقفت الأحاديث، وبدأ الناس يلتفتون. شيء غير مألوف كان يحدث.
من داخل السوق خرجوا: رهبان مسيحيون بلباسهم الأسود الطويل، يحملون صلبانًا وعصيًّا خشبية تقليدية تُعرف باسم “سمندريون”. منظرٌ أقرب إلى مشهد تاريخي من العصور الوسطى – لكنه حقيقي، وحدث في وضح نهار القدس، في قلب المدينة القديمة.
مدينة تعيش الطقوس
القدس ليست فقط وجهة سياحية أو موقعًا أثريًا. إنها مدينة تنبض بتقاليد حية، يختلط فيها الماضي بالحاضر كل يوم. الموكب لم يكن استعراضًا، بل طقس ديني حقيقي لرهبان يعيشون داخل الأديرة القديمة للبلدة القديمة – طقوس يُمارسونها منذ قرون، في الخفاء أحيانًا، وأمام الناس أحيانًا أخرى.
اللباس الأسود يرمز إلى الزهد، والقبعات الحمراء المعروفة بـ”كوكوليون” ترمز إلى الطهارة والتضحية. أما العصي الخشبية فليست فقط أداة رمزية، بل استخدمت تاريخيًا بدلًا من أجراس الكنائس عندما كان يُمنع قرع الأجراس.
فيديو: موكب رهبان مسيحيين يسيرون بهدوء عبر باب يافا في القدس، بعصيّ طقسية وأناشيد دينية تقليدية
(تصوير: القدس أونلاين – باري شاحر)
مشهد روحي وسط توتر دائم
المكان الذي سار فيه الرهبان اليوم هو نفسه الذي تعرض فيه رجال دين مسيحيون مؤخرًا للبصق والإهانة، فقط لأنهم كانوا يرتدون زيهم الديني. هذه ليست حادثة واحدة – بل سلسلة من الاعتداءات أثارت انتقادات واسعة في وسائل الإعلام.
لكن الرهبان عادوا. لم يصرخوا، لم يطلبوا الحماية، لم يحملوا لافتات. فقط ساروا – بهدوء، بثبات، بإيمان. والمارة – سواء كانوا سائحين أو من أبناء المدينة – وقفوا يشاهدون بصمت.
ماذا يوجد خلف الأبواب المغلقة؟
الأسئلة لا تنتهي: من هم هؤلاء؟ لماذا يختار الإنسان حياة الرهبنة في عالم السرعة والفوضى؟ هل وجدوا شيئًا نفتقده؟ هل تعطيهم الطقوس اليومية الهادئة ما نفتقده نحن في حياتنا المزدحمة؟
ربما، في قلب المدينة التي تعيش على الحد ما بين الروحي والسياسي، ما زال هناك مكان للصمت، للتقاليد، وللإيمان العميق الذي لا ينكسر.


