بينما تشير التطورات الميدانية والسياسية إلى اقتراب نهاية المعارك في غزة، تتصاعد في القدس مخاوف من انتقال مركز التوتر شمالًا، نحو العاصمة ومحيطها المدني والأمني. في أجهزة الأمن، تتبلور قناعة بأن الهدوء في الجنوب قد يفسح المجال أمام تصعيد جديد في المدينة، حيث تتقاطع الحركة البشرية مع البنية التحتية للتهديد.
هذا القلق لا يبدأ في اليوم الذي يلي وقف إطلاق النار، بل يرتكز على سنوات من الاختراقات، والفراغات الحدودية، والارتباط الاجتماعي والاقتصادي بين القدس ومدن فلسطينية مثل رام الله وبيت لحم وقلقيلية. الهدوء المتوقع في غزة لا يمحو الشبكات التي نجحت سابقًا في الوصول إلى داخل المدينة.
المتسللون من الضفة الغربية والتهديد القائم
قضية المتسللين من الضفة الغربية لم تعد مسألة ضبط ميداني، بل تحولت إلى تحدٍّ استراتيجي. الآلاف يدخلون القدس شهريًا عبر ثغرات في الجدار، ومسارات عمل غير رسمية، وصلات عائلية. بعض البيئات باتت تُستخدم، بوعي أو بصمت، كمسار دعم للتخطيط والنقل والتجنيد. ما كان يُعتبر مسألة شرطية يومية أصبح الآن مصدر قلق أمني في مرحلة ما بعد غزة.
السائق من شرق القدس وهجوم راموت كنموذج
شرق القدس يشكل نقطة التقاء بين الحساسية المدنية والخطر العملياتي. الهجوم الدموي في راموت مطلع شهر أيلول يُظهر كيف يمكن لتنسيق بين مسلحين من الضفة، ومساعدة محلية، والوصول إلى نقطة مدنية مكتظة، أن يتقاطع في لحظة واحدة.
في صباح الثامن من أيلول، وصل مهاجمان فلسطينيان من الضفة الغربية بسيارة نقلتهما إلى محطة حافلات في راموت، حيث كان عدد كبير من المواطنين ينتظرون. أطلقا النار بواسطة أسلحة بحوزتهما، إلا أنه جرى تحييدهما بسرعة على يد جندي ومواطنين مسلحين، ما حال دون مجزرة أكبر. قُتل ستة أشخاص وجُرح آخرون بجروح متفاوتة.
في اليوم نفسه، وبالتنسيق مع جهاز الأمن العام، أوقف محققو شرطة القدس مشتبهًا من سكان شرق المدينة بتهمة نقل المنفذين بسيارته وبحوزتهما السلاح. جرى تمديد توقيفه مرارًا، وبعد استكمال التحقيق، قُدمت بحقه لائحة ادعاء تمهيدًا لتوجيه لائحة اتهام قاسية بتقديم دعم مباشر للمهاجمين.
(هجوم القدس لا ينسى – منزل منفذ العملية دُمّر)
تؤكد الأجهزة الأمنية أن من يسهّل تنفيذ الهجوم يتحمل كامل المسؤولية، حتى لو لم يضغط على الزناد. الدعم يُعامل كتنفيذ فعلي، ومن المتوقع توسيع لوائح الاتهام لتشمل من علم، أو نقل، أو وفّر ملاذًا، أو تجاهل الخطر. المعركة على القدس لم تنتظر نهاية غزة – إنها دائرة أصلًا، والمسار فقط هو الذي يتغير.
الصورة العامة واضحة: إذا تقدمت التفاهمات حول غزة، فقد تتحول القدس إلى الساحة التالية لمن يبحث عن جبهة جديدة. وعندما يصمت الجنوب، ستعلو الأسئلة في العاصمة بدل أن تنطفئ.


