يتصاعد الصراع بين بلدية بيت المقدس والكنيسة الأرثوذكسية اليونانية ويقف على حافة الانفجار. ففي 6 آب/أغسطس 2025 أصدرت البلدية أوامر حجز على جميع حسابات الكنيسة في البنوك داخل إسرائيل، مما شل عمليًا نشاطها. وتقول البلدية إن على الكنيسة ديونًا هائلة من ضريبة الأملاك، بينما تؤكد الكنيسة أن لديها إعفاءً شاملاً وتصف الخطوة بأنها “اضطهاد” و”هجوم” من السلطات الإسرائيلية.
أزمة دينية وسياسية في بيت المقدس
يرى قادة الكنيسة أن الخطوة تمثل أزمة دينية وسياسية واقتصادية تهدف إلى طرد المسيحيين من بيت المقدس. وسارع الفلسطينيون إلى استغلال القضية، مؤكدين أنها جزء من خطة إسرائيلية لـ”تهويد” المدينة وإقصاء المسيحيين والمسلمين معًا.
وليس هذا الخلاف جديدًا. ففي عام 2018، خلال فترة رئاسة نير بركات للبلدية، اندلعت أزمة مشابهة حين جُمدت حسابات الكنيسة. حينها تدخل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وخلال ثلاثة أيام فقط انتهى الخلاف بتسوية: حصلت البلدية على تعويض من خزينة الدولة، بينما احتفظت الكنيسة بإعفائها. والسؤال الآن: هل يتدخل رئيس الوزراء الحالي قبل أن يتحول الأمر إلى أزمة بين إسرائيل والعالم المسيحي؟
ديون ضريبة الأملاك والعقارات التجارية
يكمن جوهر الخلاف في مسألة الإعفاءات الضريبية الممنوحة للمؤسسات الدينية. فلا خلاف أن المباني المخصصة للعبادة معفاة من الضريبة، سواء كانت كنائس أو مساجد أو كُنُس. غير أن البلدية تصر على أن الإعفاء لا يشمل العقارات التجارية المملوكة للكنيسة. أما الكنيسة فتؤكد أن الإعفاء شامل وتاريخي، يعود إلى الحقبة العثمانية وفترة الانتداب البريطاني واستمر لعقود في دولة إسرائيل.
وتقول بلدية بيت المقدس إن هذه خطوة إنفاذ روتينية لضمان المساواة أمام القانون. وتوضح أن الديون تتعلق بعقارات تجارية لا بأماكن مقدسة. وتشدد على أن الفنادق والمطاعم والمتاجر التي تدر أرباحًا لا ينبغي أن تُعفى من دفع الضريبة.
(سقوط شجرة على سيارة ناشيونال جيوغرافيك في بيت المقدس)
تداعيات دولية على بيت المقدس
تضيف البلدية أن السكان اليهود والمسلمين والمسيحيين الذين لا يمثلون مؤسسات دينية يدفعون ضريبة كاملة على عقاراتهم التجارية، وأن عائدات الضرائب تمول خدمات عامة أساسية لجميع سكان بيت المقدس، بما في ذلك المجتمع المسيحي، مثل النظافة والإنارة والمواصلات.
وتشير إلى أن محاولات إنفاذ سابقة قوبلت بتجاهل من الكنيسة، وأن الحجز الحالي هو الملاذ الأخير بعد فشل جميع محاولات الحوار. وفي بيان رسمي، أعربت البلدية عن أسفها للتصعيد لكنها أكدت أنها مضطرة للتحرك بمسؤولية وشفافية من أجل جميع سكان المدينة. كما دعت الكنيسة إلى العودة لطاولة المفاوضات.
من جانبها، أدانت البطريركية الأرثوذكسية اليونانية ومعها كنائس أخرى في الأرض المقدسة الخطوة بشدة، معتبرة أنها خرق للاتفاقات التاريخية (الوضع القائم) التي تمنح الكنائس إعفاءً شاملاً. واتهمت البلدية بأنها اتخذت خطوة أحادية وعنيفة رغم وجود محادثات، وأخلّت بتعهدات سابقة.
(إفراج عن قيادي في حماس وعودته إلى بيت المقدس)
عاصفة إعلامية دولية حول بيت المقدس
تصف الكنيسة القرار بأنه جزء من “حملة منظمة” لإضعاف الوجود المسيحي في الأرض المقدسة وتقويض مكانته. وقد لقيت القضية تغطية إعلامية واسعة. مسؤولون فلسطينيون، مثل اللجنة الرئاسية لشؤون الكنائس في فلسطين، وصفوا الخطوة بأنها “اعتداء إسرائيلي غير مسبوق” يستهدف إضعاف الوجود المسيحي في بيت المقدس. كما أبرزت وسائل إعلام إسلامية، وعلى رأسها وكالة الأناضول التركية، الحدث. وسائل إعلام مسيحية حول العالم بدورها تبنت موقف الكنيسة ودعت الحكومات والهيئات الدبلوماسية للتدخل والضغط على إسرائيل للتراجع عن القرار.


