في أحد أكثر الممرات ازدحامًا في القدس، بين المحطة المركزية وقصر “بنياني هأوما”، ظهرت سلسلة طويلة من صور جنود إسرائيليين سقطوا في حرب “سيوف من حديد”. ليست لوحات تذكارية برونزية، ولا نصبًا رسميًا. إنها صور مطبوعة، مغلّفة، متطابقة بالحجم، وموضوعة واحدة تلو الأخرى، مرفقة بجملة واحدة فقط: “حتى النصر”.
المكان ليس ساحة وطنية ولا مزارًا رسميًا. إنه رصيف. شارع يومي. يمرّ الناس إلى أعمالهم، إلى الحافلات، إلى السوق. لكنهم يمرّون أيضًا بجوار الموت. الموت الذي لم يُخفَ، بل عُلّق، وكأنه جزء من المسار الحضري.
عندما تصبح الدولة أغلى من الحياة
هذه الظاهرة ليست فقط تعبيرًا عن الحزن. إنها تعكس منظومة قيم كاملة، بدأت تبرز بقوة داخل المجتمع الإسرائيلي، خاصة في التيارات الدينية القومية. في هذه المنظومة، الدولة ليست فقط كيانًا سياسيًا – بل كيان مقدّس، يستحق التضحيات مهما كان الثمن. الفرد لا يقف في المركز، بل الجماعة. والموت ليس نهاية – بل تضحية.
هذا التصور يتعارض جذريًا مع ما تسير عليه المجتمعات الغربية منذ عقود، حيث ترتفع مكانة الفرد وحقوقه، ويُنظر للتضحية بالحياة كأمر استثنائي أو حتى مرفوض. لكن في القدس – يبدو أن الموت ما زال هو العنوان، والصورة، والرسالة.
هذا المشهد لم يكتمل بعد
اللافت ليس فقط حجم الصور أو موقعها – بل أنها قابلة للتمدد. السلسلة ستستمر. الرصيف مفتوح. القتلى القادمين سيلتحقون بهذا “الموكب”، لا في مقبرة، بل على رصيف يمشي عليه الأطفال والعمال والسيّاح.
عندما يصبح الحزن جماعيًا ومُعَلقًا بهذا الشكل العلني، قد يكون السؤال الأهم: ماذا تختار الدولة أن تراه؟ وماذا تختار أن لا تراه؟


