في ظل الحرب: هل ينهار سكان القدس تحت الضغط؟

احتجاجات في ساحة باريس بالقدس في ليلة ماطرة وتحت صفارات الإنذار والصواريخ – مجتمع يعيش تحت ضغط مستمر
احتجاج في ساحة باريس في القدس خلال ليلة ماطرة مع صفارات إنذار وصواريخ في ظل الحرب مع إيران
احتجاج في ساحة باريس في القدس خلال ليلة ماطرة وتحت توتر أمني

عكست شوارع القدس المبللة مساء السبت واقعًا معقدًا: من جهة، صفارات إنذار واعتراضات وسقوط شظايا في أنحاء المدينة نتيجة إطلاق صواريخ من إيران؛ ومن جهة أخرى، تجمع عشرات المحتجين في ساحة باريس، بعضهم ضد الحكومة وآخرون يطالبون باستبدال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. ومع وقوع حادث خطير في مدينة عراد أسفر عن نحو 100 مصاب، بعضهم في حالة خطيرة، بدا التوتر حاضرًا ليس فقط أمنيًا، بل اجتماعيًا ونفسيًا أيضًا.

بالتوازي مع الاحتجاج، سُجل نشاط للشرطة في المكان. وجاء في بيان لشرطة لواء القدس: “عملت قوات من لواء القدس، بما في ذلك وحدات مكافحة الشغب، خلال الاحتجاج الذي جرى في ساحة باريس. وخلال الاحتجاج، بدأ مخلّون بالنظام بإغلاق مسارات السير وتعطيل حركة المرور في المنطقة. أعلن ضابط شرطة أن الاحتجاج غير قانوني، ومنح وقتًا معقولًا للتفرق. وبعد رفض المشاركين الامتثال للتعليمات، بدأت القوات بتفريقهم بهدف إعادة النظام العام. وخلال ذلك تم توقيف شخصين”.

ما يحدث في القدس ليس مجرد قصة سياسية أو أمنية، بل صورة أوسع لمجتمع يواجه ضغطًا متواصلًا، حيث يتسلل الخوف والقلق وعدم اليقين إلى الحياة اليومية ويعيد تشكيل العلاقات بين الناس.

كيف تؤثر الحرب مع إيران على الصحة النفسية والتماسك الاجتماعي في القدس؟

تشير الدراسات السوسيولوجية والنفسية إلى ظاهرة مزدوجة: يمكن للحرب أن تعزز التضامن والشعور بالمصير المشترك، لكنها قد تعمّق أيضًا الانقسامات القائمة وتزيد من حدة الخلافات. ومع استمرار الضغط لفترات طويلة، تميل مجموعات مختلفة في المجتمع إلى تفسير الواقع بطرق مختلفة، وأحيانًا متناقضة.

في القدس، وهي مدينة تتسم بتنوع الهويات – دينيون وعلمانيون، يهود وعرب – لا يعمل الضغط الأمني في فراغ، بل يلتقي مع توترات قائمة وقد يزيدها حدة. الاحتجاجات مثل تلك التي شهدتها ساحة باريس تعكس هذا الواقع: فهي ليست فقط تعبيرًا سياسيًا، بل أيضًا تفريغ لتوتر متراكم.

في المقابل، يشعر بعض السكان بأن التهديد يعزز ارتباطهم بالمجتمع والمحيط. هذا هو نفس الآلية التي تساعد المجتمعات على الصمود في الظروف القاسية، لكنها لا تعمل بالشكل نفسه لدى الجميع.

هل الاحتجاج السياسي في زمن الحرب ظاهرة معروفة عالميًا؟

يقدم التاريخ العديد من الأمثلة على مجتمعات وصلت إلى حافة التوتر تحت ضغط أمني مستمر. ففي لندن خلال فترة “البلتز” في الحرب العالمية الثانية، ظهرت في البداية حالة من الوحدة، لكن مع الوقت برزت أيضًا توترات اجتماعية وفوارق.

وفي الولايات المتحدة بعد هجمات 11 سبتمبر، سادت حالة من التلاحم الوطني في البداية، لكن لاحقًا تعمقت الانقسامات السياسية والاجتماعية حول سياسات الأمن والحروب في الشرق الأوسط والحريات المدنية.

وفي مناطق أخرى شهدت صراعات طويلة، مثل إسبانيا خلال نشاط منظمة إيتا أو لبنان في فترات مختلفة، ظهر نمط مشابه: الضغط المستمر لا يوحّد فقط، بل يكشف أيضًا خطوط انقسام عميقة.

القدس، بحساسيتها السياسية والدينية والتاريخية الفريدة، تمثل نموذجًا مصغرًا لهذه العمليات. وما يبدو كاحتجاج محلي في ساحة باريس قد يكون جزءًا من قصة أوسع، حيث يحاول مجتمع كامل فهم واقع معقد في الوقت الحقيقي تحت تهديد مستمر.