جاء نتنياهو في زيارة ورحلت الحيوية عن القدس: الحريديم والتهرب من التجنيد وشوارع السبت الخالية

امتلأ سوق محانيه يهودا في القدس بمؤيدي نتنياهو، لكن مع حلول السبت عادت أبواب المحال المغلقة وساد الصمت الثقيل. وبين أزمة تجنيد الحريديم وإغلاق المقاهي، يبرز سؤال: من الذي يحدد حقاً طابع المدينة؟
النص البديل للصورة: سوق محانيه يهودا في القدس يوم السبت، حيث تظهر أزقة خالية ومحال مغلقة وبسطات مهجورة في الأجزاء المسقوفة والمكشوفة من السوق
سوق محانيه يهودا في القدس يوم السبت الأخير: بسطات مغلقة وأزقة شبه خالية، بعد أيام قليلة من زيارة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للسوق (Photo: Jerusalem Online News)

قبل أيام قليلة فقط، احتشدت الجموع حول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في سوق محانيه يهودا بالقدس. ارتفعت الأيدي، ووثقت الهواتف كل لحظة، وتعالت الهتافات الحماسية في الشوارع. لكن الصور الملتقطة في السوق يوم السبت الأخير تكشف واقعاً مختلفاً تماماً: أزقة شبه خالية من المارة، وبسطات مغلقة، وأبواب حديدية موصدة، وصمت يهيمن على أحد أبرز مراكز الحياة الحضرية في القدس.

ينبض سوق محانيه يهودا بالحياة خلال ساعات الليل ونهايات الأسبوع، ولا سيما في مناطق الترفيه المحيطة به. لكن النشاط التجاري في معظم أجزائه يتوقف بشكل شبه كامل يوم السبت. ويرى البعض في ذلك تعبيراً عن التقاليد ويوم الراحة الأسبوعية. أما بالنسبة إلى السكان الذين يرغبون في مدينة نشطة ومفتوحة حتى في يوم الراحة، فتعكس الصورة واقعاً حضرياً أكثر تقييداً.

والتناقض بين الاستقبال الحماسي لنتنياهو والشوارع الخالية ليس مجرد تناقض بصري. فهو يعيد إلى الواجهة موازين القوى في مدينة تتمتع فيها أحزاب الحريديم والليكود بتأييد سياسي واسع، بينما تتصاعد الخلافات بشأن التجنيد العسكري والحرية الدينية وأنماط الحياة اليومية.

كيف تحولت القدس إلى معقل لحزب الليكود والأحزاب الحريدية؟

توضح نتائج انتخابات الكنيست عام 2022 التركيبة السياسية للمدينة. فقد حصل حزب يهدوت هتوراه على 23.8% من أصوات الناخبين في القدس، والليكود على 19.11%، وحزب شاس على 18.3%. وحصدت الأحزاب الثلاثة مجتمعة أكثر من 61% من الأصوات الصحيحة. ووفقاً للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية، تضاعفت تقريباً الحصة المشتركة لحزبي شاس ويهدوت هتوراه في المدينة خلال ثلاثة عقود، إذ ارتفعت من 22% عام 1992 إلى نحو 42% عام 2022.

ولهذه الأرقام تداعيات تتجاوز صناديق الاقتراع. فكلما ازداد الوزن الانتخابي للجماعات المحافظة والحريدية، تعزز تأثيرها في النقاش العام حول السبت والتعليم والخدمة العسكرية وطبيعة المساحات العامة المشتركة.

وتبرز قضية التجنيد العسكري هذا التناقض بصورة أكثر حدة. ففي القدس يعيش مواطنون يخدمون في الجيش الإسرائيلي، بينهم جنود احتياط يتحملون أعباء خدمة طويلة، إلى جانب جماعات حريدية تعارض قطاعات واسعة منها تجنيد طلاب المعاهد الدينية اليهودية. ورغم ارتفاع عدد المجندين الحريديم، لا تزال الفجوة كبيرة. فبحسب بيانات الجيش الإسرائيلي، تجند 4,298 شاباً حريدياً خلال سنة التجنيد المنتهية في يونيو 2026، مقابل نحو 14 ألف شخص يُقدر أنهم يشكلون الفئة السنوية المؤهلة للتجنيد.

ماذا تكشف قضية مقهى «كافيه بَسيمتا» عن يوم السبت في القدس؟

وقعت إحدى أبرز المواجهات المتعلقة بهوية المدينة في مقهى صغير بحي نحلاوت، بالقرب من سوق محانيه يهودا. فعلى مدى نحو شهرين، تحول مقهى «كافيه بَسيمتا»، الذي كان يعمل أيام السبت، إلى محور لمظاهرات حريدية ومواجهات مع الزبائن واحتجاجات على فتحه خلال يوم الراحة اليهودي. وكان الاعتراض على الهوية الدينية للقائمين على المقهى، المرتبطين باليهودية المسيحانية، جزءاً من خلفية الاحتجاجات أيضاً، لكن الخلاف تمحور جزئياً حول تشغيل المقهى يوم السبت.

ولم تقتصر الأحداث على الاحتجاجات الكلامية. فقد وردت تقارير عن إلحاق أضرار بالممتلكات وإغلاق المداخل ووضع مادة لاصقة داخل قفل المقهى. وفي نهاية المطاف، أعلنت الإدارة مطلع سبتمبر وقف العمل أيام السبت، بعدما خلصت إلى أن الاستمرار في فتح المكان ينطوي على مواجهات ومخاطر.

واعتبر منتقدو القرار أن ما حدث يشكل سابقة مقلقة: مؤسسة تجارية تقدم خدماتها لزبائن يرغبون في ارتيادها توقفت عن العمل أيام السبت بعد ضغوط متواصلة. وحاولت حركة «هتعورروت» لاحقاً تشغيل عربة لبيع القهوة في الموقع يوم السبت، لكن مفتشي البلدية طالبوا بإزالتها.

أما من وجهة نظر المدافعين عن مراعاة حرمة السبت، فيتعلق الخلاف بالحفاظ على الطابع الديني للقدس. ولذلك فإن النزاع يتجاوز فنجان القهوة إلى سؤال أساسي: هل يمكن أن تتعايش حرية اختيار كيفية قضاء يوم السبت مع نمط الحياة الديني في الأحياء المجاورة؟

القدس ليست مدينة حريدية حصراً. فهي تضم يهوداً علمانيين وتقليديين ومتدينين قوميين، وسكاناً عرباً ومجتمعات أخرى عديدة. لكن الصور القادمة من سوق محانيه يهودا تجسد الفارق بين مدينة تستطيع أن تملأ شوارعها بالحشود خلال حدث سياسي، وحيز عام تتوقف فيه معظم الأنشطة التجارية يوم السبت.

يمكن لنتنياهو أن يزور السوق ويحظى باستقبال حماسي. لكن السؤال الذي يبقى بعد تفرق الحشود لا يتعلق فقط بالأحزاب التي يصوت لها سكان القدس، بل بنوع المدينة التي يريدون الحفاظ عليها، وبمقدار المساحة المتبقية فيها لمن يختارون العيش بطريقة مختلفة.