منتصف شهر أبريل 2026، ويبدو أن شيئاً ما في هواء القدس قد تغيّر. بعد 40 يوماً من الحرب مع إيران، وصفارات الإنذار وإطلاق الصواريخ، حيث بدت ساحة الحائط الغربي خالية وصامتة ومعقمة ومحصورة بعدد قليل من المصلين، عاد نبض الشعب اليهودي ليتحرك من جديد. ساحة كانت غارقة في وحدة قسرية، تمتلئ الآن بموجات من الناس.
في الأسابيع الماضية، لم يبقَ بين الحجارة القديمة سوى الحمام وبعض الطيور. أما الآن، فتختلط أصوات باليديشية واللادينو ولغات أخرى في صلوات ومزامير تمتزج بغبار التاريخ. هذا ليس مجرد عودة إلى الروتين، بل انفجار لطاقة مكبوتة، لحظة تعود فيها الحجارة الصامتة لسماع دقات قلوب آلاف المؤمنين. بعد 40 يوماً من الصمت، يعود الحائط الغربي ليتنفس من جديد، تماماً قبل يوم الذكرى.
لماذا يكتسب الرقم 40 معنى جديداً في القدس بعد الحرب؟
يحمل الرقم 40 دلالات عميقة في التراث اليهودي. فقد أمضى النبي موسى 40 يوماً على الجبل لتلقي التوراة، وهي فترة ترتبط بالتطهير والاستعداد. بالنسبة لسكان القدس والمصلين المتدينين، كانت الأيام الأربعون الأخيرة من القيود الأمنية خلال الحرب مع إيران أشبه بـ”منفى” داخل الوطن.
إعادة فتح الساحة في الأيام الأخيرة ليست مجرد تحديث لتعليمات الجبهة الداخلية، بل حدث يحمل معنى روحياً عميقاً. إنها اللحظة التي يستعيد فيها الناس قدرتهم على الاتكاء على الحائط مجدداً، جسدياً ونفسياً.
توقيت إعادة الفتح ليس عشوائياً في الوعي الإسرائيلي. قبل وقت قصير فقط، كانت صفارات الإنذار تتردد في المدينة، مذكّرةً بهشاشة الجبهة الداخلية. الحائط، الذي شهد حروباً واحتلالات، استمع هذه المرة إلى نوع مختلف من الصمت، وهو يقف فارغاً أمام أصوات اعتراض الصواريخ.
والآن، مع رفع القيود، يستعد الحائط الغربي في القدس لواحد من أكثر التحولات حدة في التقويم. من صمت الإغلاق القسري إلى الصمت المقدس للذكرى. الساحة التي كانت خالية ستمتلئ بكبار القادة العسكريين، والجنود، وقبل كل شيء بالعائلات الثكلى. هناك، أمام الحجارة القديمة، ستنطلق صافرة يوم الذكرى، وسيُنكس العلم إلى نصف السارية، وتمتزج الدعوات للوحدة مع صلاة “الكاديش”. ستذرف أرامل شابات وأيتام كثيرون دموع الشوق والحزن. فرحة استقلال إسرائيل الـ78 لن تستقر بسهولة في قلوبهم، فهي فرحة مؤثرة لكنها بعيدة في الوقت ذاته.
كيف يعكس الحائط الغربي الانتقال بين الفرح والحزن في القدس؟
لكن الحائط الغربي يثبت في هذه الأيام مرة أخرى أنه ليس مجرد موقع أثري مقدس، بل كائن حي. حشود تتجه للصلاة، وآخرون يصلون للاحتفال ببار متسفا وسط الغناء والامتنان، فيما تتدرب مجموعات من الجنود على أوامر عسكرية استعداداً لمراسم يوم الذكرى. من جهة يُسمع صوت القائد، ومن جهة أخرى ترتفع أصوات الاحتفال.
يعرف الحائط هذه اللغة المزدوجة جيداً. فمنذ أن بناه الملك هيرودس كجدار داعم لمجمع الهيكل الثاني في القرن الأول قبل الميلاد، مرّت عليه عوالم مختلفة. أزمنة حرب وسلام، حظر وانفتاح، كلها انطبعت في حجارته. ومع ذلك، ظل مكاناً يحتوي الجميع ويفهمهم ويحتضنهم.


