بين صنعاء والقدس: كيف يمكن أن تتسلل الاحتجاجات في العالم العربي إلى الواقع الحضري؟

في ظل الاحتجاجات في اليمن والتوترات في الشمال، تقف القدس مرة أخرى على خط التماس بين الساحات الإقليمية والحياة اليومية في المدينة
كولاج يجمع بين احتجاجات حاشدة في صنعاء وصورة للقطار الخفيف والمارة في وسط القدس
كولاج يدمج بين احتجاج جماهيري في صنعاء والحياة اليومية إلى جانب القطار الخفيف في القدس (Photo: Jerusalem Online News)

على بعد آلاف الكيلومترات، في ساحات صنعاء في اليمن، تتجمع حشود كبيرة من المتظاهرين تحت شعارات وحدة الساحات في العالم العربي، لكن التأثير الأكثر حساسية لهذه التحولات يظهر في أزقة القدس. المدينة، التي كانت دائمًا بؤرة دينية وسياسية متوترة، تجد نفسها مجددًا عند نقطة الالتقاء بين الخطاب العابر للحدود والواقع الأمني اليومي.

في خطابات أُلقيت مؤخرًا خلال احتجاجات في صنعاء ضد ما يُعرف بـ”إسرائيل الكبرى”، ذُكرت القدس صراحةً كمحور مركزي تتشكل حوله حالة الرفض. بالنسبة لسكان القدس، وخاصة في شرق المدينة، تحمل هذه الرسائل وزنًا كبيرًا. وأكد زعيم الحوثيين عبد الملك في تصريحاته الأخيرة أن القدس هي بوصلة جميع الجبهات، محذرًا من أن استمرار القتال في لبنان يشكل تهديدًا مباشرًا للوضع القائم في المدينة ولمسجد الأقصى.

ومع تصاعد الاحتجاجات في العالم العربي واشتداد الخطاب حول لبنان، ترتفع مستويات التوتر في القدس. يتأثر الوضع الأمني في المدينة بشكل مباشر بمشاعر “النصر” أو “المعاناة” التي تعكسها الجهات الفاعلة في المنطقة. ويُنظر إلى استمرار العمليات في لبنان لدى بعض الأوساط العربية على أنه محاولة لإعادة تشكيل النظام الإقليمي، قد تصل في نهايتها إلى السيطرة على الأماكن المقدسة، ما قد يؤدي إلى اضطرابات محلية أو محاولات فردية للرد على ما يجري في الشمال من خلال أفعال داخل القدس.

كيف تؤثر تصريحات الحوثيين على التوتر في القدس؟

تخلق تصريحات قيادة الحوثيين حول “مفاجآت” ومسار تصعيد يستهدف قلب الكيان، أي القدس، حالة من عدم اليقين فوق المدينة. القدس، التي تعيش في توازن دقيق بين مكوناتها السكانية، تتأثر بهذه التحولات بطرق متعددة. فمن جهة، ترفع الأجهزة الأمنية مستوى الجاهزية خشية أن تتحول هذه التصريحات إلى عنف محلي. ومن جهة أخرى، يتأثر السكان أنفسهم بهذه الديناميكيات، وكذلك روتين حياتهم اليومية.

عندما يغلي الشارع العربي تحت شعار “الدفاع عن لبنان”، تتحول القدس إلى ساحة اختبار للسيادة والاستقرار. كل تطور عسكري في الشمال يُقرأ من خلال مفهوم “وحدة الساحات”، وهو مفهوم يهدف إلى تقويض الإحساس بالأمن داخل إسرائيل ووضع العاصمة كجزء لا يتجزأ من ساحة المواجهة الإقليمية. كما أن حساسية الأماكن المقدسة تضاعف من احتمالية أن تتحول الاحتجاجات في اليمن إلى وقود لنقاط احتكاك محلية.

هل يمكن لوقف إطلاق النار الإقليمي أن يحقق الاستقرار في القدس؟

تقدم الجهود الدولية للتوصل إلى وقف إطلاق نار بوساطة باكستانية نافذة أمل للقدس أيضًا. فالاستقرار الإقليمي شرط أساسي للحفاظ على نمط الحياة في مدينة سياحية معقدة كهذه. ومع ذلك، فإن تحذيرات مجلس القيادة الرئاسي في اليمن من “مغامرات عسكرية” تستخدم القدس ذريعة للتصعيد، تسلط الضوء على الصراع الداخلي في العالم العربي، وهو صراع يتسلل بدوره إلى وعي سكان المدينة.

إن استمرار النشاط العسكري الإسرائيلي في لبنان يخضع الآن لاختبار ليس فقط في مواجهة حزب الله، بل أيضًا في القدرة على إبقاء القدس خارج دائرة النار المباشرة وغير المباشرة. ويظل التوازن بين استخدام القوة العسكرية وفهم حساسية الشارع العربي، إلى جانب الإشارات الصريحة إلى المدينة في الخطاب الإقليمي، هو التحدي الأكبر. في قلب الشرق الأوسط، تبقى القدس بمثابة مقياس دقيق يتفاعل مع كل تطور في لبنان وكل هتاف في صنعاء، مذكّرة الجميع بمدى ترابط واقع المنطقة.