في القدس، حيث يعيش اليهود المتدينون والحريديم والعلمانيون والعرب جنباً إلى جنب، لا يُعد تلقي لقاح الإنفلونزا مجرد قرار طبي فردي، بل يشكل أيضاً اختباراً للثقة في المنظومة الصحية، وتأثير القيادات المجتمعية، وقدرة المؤسسات الصحية على الوصول إلى الأحياء المكتظة بالسكان. ومع اقتراب شتاء عام 2027، تدعو السلطات الصحية السكان إلى التطعيم، لكن الدراسات تشير إلى مشكلة أعمق: ففي بعض المجتمعات التي تواجه مخاطر مرتفعة لانتشار أمراض الجهاز التنفسي، تُسجَّل أيضاً معدلات منخفضة نسبياً من الإقبال على اللقاحات.
لماذا تنخفض معدلات التطعيم ضد الإنفلونزا في القدس؟
وفقاً لبيانات دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، تلقى 55.6% فقط من السكان الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فما فوق في منطقة القدس لقاح الإنفلونزا خلال عام 2022، وهي أدنى نسبة بين المناطق الإسرائيلية. ويجب التأكيد أن هذه البيانات تاريخية وتشمل منطقة القدس بأكملها، ولا تعكس بالضرورة معدل التطعيم الحالي داخل المدينة نفسها.
وكشفت دراسة علمية نُشرت عام 2025 في مجلة متخصصة باللقاحات، وشملت 369 من الآباء والأمهات اليهود الحريديم في إسرائيل، أن 19.2% فقط من الوالدين و15.2% من أطفالهم تلقوا لقاح الإنفلونزا.
ورصد الباحثون ارتباطاً بين انخفاض الإقبال على التطعيم وبين كبر حجم الأسرة، والصعوبات الاقتصادية، ومحدودية الوصول إلى المعلومات الطبية، والمعتقدات المتعلقة بالمناعة الطبيعية. كما أظهرت العينة تفاوتاً جغرافياً لمصلحة مناطق أخرى مقارنة بمنطقة القدس. ومع ذلك، لا يمكن تعميم هذه النتائج على جميع السكان الحريديم في المدينة.
أما التفسير الاجتماعي، فهو أكثر تعقيداً من مجرد رفض اللقاحات. ففي بعض المجتمعات، تتأثر القرارات الطبية بالمرجعيات الدينية، والعادات العائلية، ومستوى الثقة بالقيادات المحلية. وقد يؤدي انتشار المعلومات الطبية المضللة، إلى جانب الصعوبات العملية في الوصول إلى العيادات، إلى تراجع معدلات التطعيم.
ما مدى فعالية لقاح الإنفلونزا في الوقاية من المرض الشديد؟
بحسب وزارة الصحة الإسرائيلية، يُصاب نحو 20% إلى 30% من الأطفال بالإنفلونزا سنوياً. وقد يؤدي المرض إلى الالتهاب الرئوي، وتفاقم الأمراض المزمنة، والحاجة إلى دخول المستشفى، خصوصاً لدى كبار السن والأطفال الصغار والنساء الحوامل والأشخاص المصابين بأمراض مزمنة.
ورغم أن التطعيم لا يضمن منع الإصابة بالفيروس بصورة كاملة، فإنه يقلل خطر الإصابة بالمرض الشديد ومضاعفاته.
وتتطلب الأوضاع في القدس الشرقية قراءة دقيقة أيضاً. فقد وجدت دراسة إسرائيلية نُشرت عام 2021 أن معدل التطعيم ضد الإنفلونزا، ضمن عينة من الأمهات اللواتي لديهن أطفال في سن الدراسة، كان أعلى لدى الأمهات العربيات مقارنة بالأمهات اليهوديات، بنسبة 61.7% مقابل 33.5%.
ولا تمثل هذه النتائج معدلات التطعيم الحالية بين سكان القدس الشرقية، لكنها تتحدى الافتراض القائل إن المجتمعات التي تنتمي إلى أقليات سكانية أكثر ميلاً بالضرورة إلى رفض اللقاحات.
وفي القدس، لا تقتصر المشكلة على حملات التوعية الصحية، بل تتطلب توفير خدمات طبية مجتمعية يسهل الوصول إليها، ومعلومات موثوقة باللغات المناسبة، وفهماً أعمق للبنية الاجتماعية لكل حي. ومن دون هذه العناصر، قد يبقى اللقاح المتاح مجاناً بعيداً عن بعض الأشخاص الذين هم في أمسّ الحاجة إليه.


