في قلب الحياة اليومية في القدس، بين الشاشات الهادئة وروتين يبدو عادياً، يتشكل فضاء موازٍ لا يراه الكثيرون. هناك، تنشأ علاقات بسرعة، أحياناً من دون أن ينتبه الكبار. ما يبدأ بمحادثة قصيرة عبر تطبيق قد يتحول خلال وقت قصير إلى لقاء في الواقع، مع عواقب قد تكون خطيرة وطويلة الأمد.
في ظل القضية الأخيرة في المدينة، حيث يُشتبه بأن شابين تعرّفا على فتاة تبلغ من العمر 12 عاماً عبر تطبيق وقاما بلقائها، يبرز سؤال أوسع: كيف أصبحت تطبيقات التعارف ساحة صيد فعّالة للمعتدين؟
وقالت شرطة لواء القدس: “نلاحظ تزايداً في الحالات التي تبدأ فيها العلاقات في الفضاء الرقمي وتتحول بسرعة إلى لقاءات ميدانية خطيرة. ستعمل الشرطة بحزم على تحديد هوية المشتبهين وتقديمهم للعدالة، وتدعو الأهالي إلى متابعة نشاط أبنائهم على الإنترنت عن كثب”.
ما هو الاستدراج عبر الإنترنت وكيف يحدث؟
تشير الأبحاث في علم الإجرام وعلم النفس إلى عملية تُعرف باسم “غرومينغ”، وهي بناء علاقة تدريجية بين بالغ وقاصر. ووفقاً لتقارير من منظمات دولية، تمر هذه العملية بمراحل واضحة: كسب الثقة، الانتقال إلى تواصل شخصي، خلق اعتماد عاطفي، تطبيع المحتوى الحساس، ثم محاولة ترتيب لقاء.
تُسهّل التطبيقات هذه العملية من خلال إتاحة تواصل فوري وإمكانية إخفاء الهوية وبناء علاقة بسرعة. بالنسبة للقاصرين، خاصة بين سن 11 و14، يشكل الفضول الطبيعي مع قلة الخبرة في اكتشاف الخداع مزيجاً خطيراً.
لماذا يستخدم المعتدون تطبيقات التعارف؟
الانتقال من منصات التواصل الاجتماعي إلى تطبيقات التعارف ليس صدفة. هذه التطبيقات تعتمد على محادثات خاصة بين شخصين، وغالباً ما تكون الرقابة فيها محدودة.
تشير دراسات حديثة إلى أن المعتدين يفضلون بيئات يكون فيها الانتقال إلى لقاء واقعي أمراً طبيعياً ضمن تصميم التطبيق. هذا يختصر الوقت ويطمس الحدود. كما تنتشر ظاهرة انتحال العمر، حيث يتظاهر البالغون بأنهم أصغر سناً لكسب ثقة القاصرين.
كيف يمكن حماية الأطفال من مخاطر التطبيقات؟
لا يوجد حل واحد. تشير الدراسات إلى أهمية الجمع بين التوعية الرقمية، ومشاركة الأهل، وتطوير أدوات تكنولوجية للحماية. كما توضح تقارير دولية أن العديد من المنصات لا تزال تواجه صعوبة في التحقق الفعّال من الأعمار، ما يترك فجوات كبيرة في الحماية.
في القدس، كما في أماكن أخرى، لا يقتصر التحدي على الملاحقة القانونية، بل يشمل الوقاية. فعندما يكون الخطر داخل الهاتف، تتوزع المسؤولية بين العائلة والمدرسة وشركات التكنولوجيا.
القضية المحلية تعكس ظاهرة عالمية أوسع: عالم تتلاشى فيه الحدود بين الواقع والفضاء الرقمي، وتنتقل فيه المخاطر بسرعة بين الاثنين.


