القدس القديمة تفتتح العام الدراسي في مدن أخرى

تفتتح القدس عاماً دراسياً جديداً، لكن عدداً غير قليل من الأطفال الذين نشأوا هنا في الماضي يرسلون أبناءهم هذا الصباح إلى مدارس في موديعين وميفاسيرت وتل أبيب ومدن أخرى في وسط إسرائيل
القدس ليلاً قبيل افتتاح العام الدراسي وعلى خلفية التغيرات في تركيبة سكان المدينة
Photo: Jerusalem Online News

في صباح اليوم الأول من العام الدراسي، يبدو كل شيء مألوفاً. حقائب جديدة، أهالٍ على عجلة من أمرهم، أطفال متحمسون وبوابات المدارس في القدس تُفتح لعام جديد. لكن خلف هذه الصورة الاحتفالية تختبئ حكاية أقل راحة بكثير: عدد غير قليل من الأطفال الذين بدأوا أعوامهم الدراسية هنا قبل عشرين أو ثلاثين عاماً لم يعودوا اليوم من سكان القدس في حياتهم اليومية. لقد نشأوا في المدينة، درسوا فيها، كبروا فيها، وفي مرحلة ما بنوا حياتهم في مكان آخر. واليوم يفتتحون العام الدراسي لأبنائهم خارج القدس.

قد تكون هذه واحدة من أكثر الطرق وضوحاً لفهم التغيير الذي مرت به المدينة. ليس عبر الجداول الديموغرافية ولا عبر السجالات السياسية، بل من خلال سؤال بسيط: أين يدرس اليوم أبناء أولئك الذين درسوا هنا في الماضي؟ القدس تواصل النمو، وبناء الأحياء وافتتاح المؤسسات التعليمية، لكن جزءاً من الجيل الذي عرف مدينة ذات حضور علماني وتقليدي أكبر وأكثر وضوحاً يعيش اليوم خارج حدودها.

لماذا يربي كثيرون ممن نشأوا في القدس أبناءهم خارج المدينة؟

لم يحدث التغيير في يوم واحد. لقد تراكم على مدى سنوات من خلال آلاف القرارات العائلية الصغيرة: زوجان لم يتمكنا أو لم يرغبا في شراء منزل هنا، عائلة بحثت عن بيئة معيشية مختلفة، شباب وجدوا عملاً خارج المدينة ولم يعودوا، وأهالٍ قرروا أن المكان الذي نشأوا فيه هم أنفسهم لم يعد بالضرورة المكان الذي يريدون تربية أبنائهم فيه. كل مغادرة من هذا النوع تكاد لا تُلاحظ في وقتها، لكن عندما يتكرر المسار نفسه على امتداد جيل كامل، تتغير المدينة من جذورها.

الظاهرة نفسها معروفة أيضاً في مدن كبرى حول العالم. في لندن وباريس ونيويورك، تغيّرت أحياء بأكملها على مر السنين بفعل أسعار السكن، وانتقال العائلات إلى الضواحي، والهجرة، والتحولات في التركيبة السكانية. القدس مختلفة عن هذه المدن في معظم الجوانب، لكن الآلية متشابهة: يمكن للمدينة أن تواصل النمو من حيث عدد السكان، وفي الوقت نفسه تفقد تدريجياً جزءاً من النسيج الاجتماعي الذي كان يميزها في الماضي.

ماذا يكشف افتتاح العام الدراسي عن القدس في الجيل القادم؟

المدارس هي المكان الذي يتوقف فيه التغيير الديموغرافي عن كونه مفهوماً مجرداً. الأطفال الذين يدخلون الصف الأول اليوم هم السكان الذين سيضطرون بعد عشرين أو ثلاثين عاماً إلى اتخاذ قرار بشأن البقاء هنا، وشراء منزل هنا، وإرسال أطفالهم هم أيضاً إلى المدارس في القدس.

وربما هنا تكمن قصة الحلم وانكساره في القدس. مدينة يواصل الناس حبها حتى بعد أن يغادروها، ومدينة يعودون إليها من أجل العائلة والعمل والأصدقاء والذكريات، لكن ليس دائماً من أجل الحياة نفسها. قد يواصلون اعتبار أنفسهم مقدسيين، ويعرفون بالضبط من أي حي جاؤوا وفي أي مدرسة درسوا، لكن أبناءهم هذا الصباح يدخلون من بوابة مدرسة في موديعين أو ميفاسيرت أو تل أبيب. القدس القديمة لم تختفِ. جزء منها يفتتح اليوم العام الدراسي ببساطة في مدينة أخرى.