في الممر الضيق بين الكنائس القديمة في القدس، يهزّ حدث واحد المشهد ويطرح أسئلة صعبة حول الإيمان والتطرف وما الذي فُقد في الطريق إلى جبل صهيون، الذي يتلوى كذاكرة عتيقة. حجارة القدس البيضاء مشبعة بحمض نووي تاريخي يعيد المارة إلى أيام الآباء والحروب التي عصفت بالشعب والأرض حتى يومنا هذا.
حتى لو صعدت إلى جبل صهيون، في طريقك إلى قبر داود، عشرات المرات، ستنجذب دائمًا إلى روح من القداسة والرهبة والتفرّد. تمتزج روائح البخور برائحة الخبز الطازج. سياح ومصلون وراهبات يمرون جنبًا إلى جنب في صمت يكاد يكون مقدسًا. إلى اليسار ترتفع كنيسة دورميتيون، وإلى اليمين تظهر كنيسة بطرس في جاليكانتو، وفي الأمام غرفة العشاء الأخير، العلية.
هذه ليست مجرد طريق مادية، بل خلاصة من التاريخ والمعتقدات والحساسيات.
ماذا حدث في جبل صهيون وكسر هذا الهدوء؟
لكن في الأسبوع الماضي، داخل هذا الصمت، انكسر شيء ما. تعرّضت راهبة لهجوم وحشي من قبل رجل يهودي، على ما يبدو متدين، وأصيبت بجروح خطيرة. الحادثة، التي وقعت تحديدًا في مكان تلتقي فيه الأديان، لم تكن مجرد واقعة استثنائية أخرى، بل علامة تحذير حقيقية. إنها لحظة تتصدع فيها القداسة وينكشف العبث بكل قوته. أشخاص باسم الإيمان يتجاوزون أبسط الوصايا ويصلون إلى عنف عنصري ووحشي ضد إنسان آخر.
الطريق إلى قبر داود في القدس يُفترض أن يكون رحلة إلى الداخل. داود، الذي كتب بحسب التقليد مزامير الألم والتوبة والأمل، يمثل تعقيدًا إنسانيًا عميقًا. حياته ليست مجرد مُلك، بل القدرة على السقوط والنهوض، على الخطأ والتصحيح. ومع ذلك، في المكان نفسه، عند أعتاب رمزيته، وقع فعل يمحو فكرة الإصلاح ذاتها.
هذه الحادثة لا تقف وحدها. إنها جزء من عملية أوسع: تصاعد في التطرف، تصلّب في المواقف، وتحويل الدين من أداة معنى إلى أداة قوة. في أذهان المتطرفين، يصبح القانون الإلهي انتقائيًا. الاعتداء على الراهبة في القدس لم يكن بعيدًا، في جوهره، عن تجاوز الوصية السادسة “لا تقتل”. وصية تُنسى، بينما تُمنح الرموز الخارجية الأولوية. هذا ليس إيمانًا، بل تفسير مشوّه للإيمان. تحريم إيذاء الأبرياء وارد في سفر الخروج (الإصحاح 20) وسفر التثنية (الإصحاح 5)، وهو من بين أشد المحظورات في الشريعة.
תיעוד – תקיפה הנזירה באזור קבר דוד בירושלים pic.twitter.com/sQzwUAQ1Yc
— jerusalem online (@Jlmonline) April 30, 2026
هل تقترب القدس من نقطة غليان جديدة بين الأديان؟
مع اقتراب يوم القدس الأسبوع المقبل، تتصاعد الأسئلة: ماذا نحتفل فعليًا؟ مدينة موحدة أم مساحة تغلي فيها التوترات تحت السطح؟ ماذا يحدث بين الشعوب والأديان المختلفة التي تعيش في المدينة؟ القدس ليست مجرد رمز للتاريخ، بل اختبار أخلاقي يومي.
ستستمر المسيرة إلى جبل صهيون، وسيواصل الحجاج الوصول، وسيهمس المصلون من الديانات الثلاث بصلواتهم، وستبقى حجارة الأسوار شاهدة. لكن شيئًا في الوعي يجب أن يتغير. لأنه إذا تحولت الطريق إلى القداسة إلى ساحة عنف، فهذه إشارة إلى أننا، كبشر، ابتعدنا عن جوهر القداسة.
القدس، مدينة العاصمة والقداسة، لا تُقاس بمدى تمسكنا بها، بل بعمق تسامحنا وقدرتنا على تقبّل الآخر الذي يؤمن بإيمانه.


