في القدس مكان لا يدور فيه الصدام مع الدولة فقط حول التجنيد أو الميزانيات أو قانون بعينه. في مئة شعاريم يوجد تيار حريدي مناهض للصهيونية يرفض من الأساس فكرة دولة إسرائيل. في نظره، الصهيونية خطيئة، وإقامة سيادة يهودية قبل مجيء المسيح عمل مرفوض، وعلى اليهود أن يواصلوا العيش في واقع المنفى إلى أن يأتي الخلاص.
هذا الأسبوع أخذ هذا التوتر شكلا عمليا جدا. خلال حملة إنفاذ نفذتها شرطة لواء القدس وحرس الحدود وفرق الشرطة البلدية، تم العثور على سبعة فلسطينيين من سكان الضفة الغربية كانوا داخل إسرائيل من دون تصاريح قانونية، واعتقالهم في عدد من مواقع العمل في المنطقة. وفي الوقت نفسه اندلعت أعمال إخلال بالنظام، وألقيت أغراض باتجاه القوات، كما تم تحرير 15 مخالفة عن تجاوزات مختلفة.
لماذا أصبح حي مئة شعاريم في القدس رمزا للصدام مع الدولة؟
هذا الصدام أعمق بكثير من مواجهة موضعية مع شرطي في الشارع. بالنسبة إلى أجزاء من التيار المناهض للصهيونية، الشرطة ليست مجرد جهاز لتطبيق القانون، بل ذراع لدولة هم لا يعترفون أصلا بشرعيتها. ولهذا فإن أي دخول للشرطة إلى الحي يمكن أن يتحول بسرعة إلى مواجهة ذات طابع أيديولوجي.
وقالت شرطة لواء القدس: “في إطار نشاط مركز لشرطة لواء القدس ومقاتلي حرس الحدود وفرق الشرطة البلدية في حي مئة شعاريم ومحيطه، بهدف تعزيز فرض القانون والحفاظ على النظام العام، نُفذت حملة إنفاذ واسعة في المنطقة. وخلال النشاط اندلعت أعمال إخلال بالنظام في محاولة للمساس بعملية الإنفاذ، شملت إلقاء أغراض باتجاه القوات التي كانت تعمل في المكان.”
إلى أي حد تغير الديموغرافيا الحريدية ميزان القوة السياسية في إسرائيل؟
هنا تتوقف القصة عن كونها محلية. بحسب التقرير الإحصائي للمجتمع الحريدي لعام 2025 الصادر عن المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، بلغ عدد الحريديم في إسرائيل نحو 1.45 مليون شخص، أي 14.3% من السكان، مقارنة بنحو 750 ألفا فقط في عام 2009. وبلغ معدل نموهم السنوي منذ ذلك الحين نحو 4.2%، فيما تشير التوقعات إلى أنهم قد يشكلون نحو 16% من سكان إسرائيل بحلول عام 2030.
لم يعد الحديث هنا عن مجموعة ضغط صغيرة. هذه كتلة سكانية سريعة النمو، شابة جدا، ومنظمة سياسيا. ومع ازدياد حجمها، يزداد أيضا وزنها في النظام السياسي.
هل يستطيع الحريديم مجددا حسم هوية رئيس الحكومة؟
نعم. في نظام سياسي قد تُحسم فيه إقامة حكومة بفارق بضعة مقاعد فقط، تستطيع الأحزاب الحريدية المنظمة أن تكون الفارق بين تشكيل ائتلاف والبقاء في المعارضة. وعلى مدى أكثر من عقد، كانت هذه الأحزاب مرارا شريكا مركزيا لبنيامين نتنياهو، ومنحت معسكره في مناسبات عديدة الأرقام اللازمة لتشكيل حكومة.
وهنا تظهر المفارقة المقدسية بكل حدتها: في مئة شعاريم يوجد تيار يرفض الدولة، يصطدم بمؤسساتها، ويرى في الصهيونية انحرافا دينيا، فيما يواصل المجتمع الحريدي الأوسع النمو وتعزيز قوته السياسية. قد يكون هناك من يرفض الدولة كما يعرفها معظم الإسرائيليين – لكن الديموغرافيا الحريدية قد تظل قادرة على تقرير من سيديرها.


