في قلب مدينة القدس، وتحديدًا في حديقة بلومفيلد، تقف نافورة الأسود كرمز للسلام والكرامة المشتركة. لكن في نهاية الأسبوع الماضي، بدا المشهد مختلفًا تمامًا: أكواب فارغة، أكياس بلاستيكية، بقايا طعام. ليس صدفة. بل مشهد يتكرّر كل مرة.
المشكلة ليست في كمية النفايات – بل في القبول بها.
في النظرة التي تمر دون اعتراض، في الخطوة التي تتجاوز القمامة وكأنها لا تخصّ أحدًا.
المكان ليس مهملاً فقط – بل متروكًا من القلوب قبل العيون.
من الذي رمى؟ ليس هو السؤال
المشكلة أعمق من الفعل.
إنها في الصمت الذي يرافقه.
في الشعور الداخلي الذي يقول: “هذا ليس مكاني – فلماذا أعتني به؟”
هكذا تبدأ المجتمعات بالتفكّك:
كرسي متّسخ يتحوّل إلى حائط صامت بين الجيران.
نافورة مهملة تصبح إعلانًا صامتًا: لا أحد يرى، ولا أحد يهتم.
(إعادة فتح الأقصى: 45 ألف مصلٍ في الجمعة الأولى)
عندما تتآكل العلاقة بالمكان – تتآكل العلاقة بالناس
النظافة ليست مسألة ترتيب، بل انعكاس اجتماعي.
في المدن المتنوّعة مثل القدس، لا يوجد رابط مشترك سوى احترام الفضاء العام.
وحين يفقد هذا الاحترام – يصبح التعايش مجرّد شعار فارغ.
ماذا تقول الأبحاث الاجتماعية؟
تؤكد دراسات كثيرة أن تدهور الفضاء العام يؤدي إلى تفكّك الثقة، وزيادة العنف، وانخفاض الإحساس بالانتماء.
كل نفاية غير مرفوعة، هي إشارة نفسية: “لا أحد يهتم بك، فلا تهتم أنت أيضاً.”
وحين تتكرّر هذه الرسالة – يبدأ الناس بالانسحاب من بعضهم، والابتعاد عن أي التزام مشترك.
(الحملة في إنديا تكشف تصاعد الضغط على القدس الشرقية)
الأسود لا تزأر – لكنها تشهد
تقف هناك. تماثيل من حجر. بلا صوت.
لكن في صمتها، احتجاج.
العائلات تمرّ. الأطفال يلعبون. الصور تُلتقط – دون أن يظهر القاع المتّسخ.
والقدس؟ تتعوّد.
ليست مدينة مكسورة – بل مدينة اعتادت على الكسر.
وما أن يتحوّل الاعتياد إلى طبيعة – تصبح الهوية مجرّد ذكرى.
السؤال لم يعد: من رمى النفايات؟
بل: هل لا يزال هذا المكان يخصّنا جميعًا؟


