القدس تعرف كيف تصوّت. في انتخابات تلو أخرى، تمنح المدينة قوة كبيرة لحزب الليكود وللأحزاب الحريدية ولليمين، وتضع ثقتها مراراً في معسكر سياسي يعد بالأمن وبفرض الحكم وبالرد القاسي على الإرهاب. وفي أجزاء واسعة من القدس، تحوّل التأييد لبنيامين نتنياهو ولشركائه السياسيين مع مرور السنوات إلى ما يشبه الخيار شبه التلقائي.
لكن بين انتخابات وأخرى، تواصل القدس إنتاج شيء آخر أيضاً: موقع هجوم جديد، مزيد من العائلات الثكلى، طبقة أخرى من الخوف، والآن لوحة تذكارية إضافية.
لا يوجد بالطبع خط مباشر وبسيط بين ورقة الاقتراع التي توضع في الصندوق وبين كل حادث أمني يقع في الشارع. لكن من الصعب تجاهل الفجوة. فسكان القدس يعيشون منذ سنوات إلى جانب عمليات إطلاق نار وطعن ومحاولات دهس وأعمال إرهابية أخرى، وفي الوقت نفسه يواجهون أيضاً عنفاً جنائياً خطيراً. وفي مدينة يدور خطابها السياسي مراراً حول الأمن، تذكّر الحياة اليومية مرة بعد أخرى بمدى هشاشة هذا الأمن.
لماذا كُشف عن لوحة تذكارية جديدة قرب حي راموت في القدس؟
في جادة غولدا مئير، قرب محطة هأرازيم وعند مدخل حي راموت، أزالت بلدية القدس الستار عن لوحة تذكارية تخليداً لستة أشخاص قُتلوا في الهجوم الإرهابي الذي وقع في المكان يوم 8 سبتمبر 2025.
خلال الهجوم، أطلق إرهابيون النار على مدنيين كانوا ينتظرون في محطات الحافلات. وتوقف مسار القتل بعدما أطلق مقاتل ومواطن مسلح كانا في الموقع النار من سلاحيهما الشخصيين على المهاجمين وقتلاهما.
وتخلّد اللوحة أسماء يعقوب بينتو، 25 عاماً، ويوسف دافيد، 43 عاماً، وألتر يسرائيل ماتسنر، 31 عاماً، ومردخاي، الدكتور مارك شتاينتساغ، 79 عاماً، وساريتا، سارة ميتا مندلسون، 57 عاماً، وليفي يتسحاق باش. ستة أشخاص من عوالم مختلفة وصلوا في ذلك الصباح إلى التقاطع نفسه في القدس ولم يعودوا منه إلى منازلهم.
من هم الضحايا الستة للهجوم الإرهابي في راموت؟
هاجر بينتو إلى إسرائيل بمفرده من إسبانيا من أجل دراسة التوراة في يشيفات «ديرخ إيمونا» في اللد. وكان قد تزوج قبل الهجوم بفترة قصيرة وعمل مرشداً محبوباً في داخلية اليشيفا. أما يوسف دافيد، وهو من سكان راموت، فكان طالب توراة وعالماً دينياً عُرف ببشاشته، وقُتل وهو في طريقه إلى الدراسة فيما كانت كتبه الدينية بحوزته.
ألتر يسرائيل ماتسنر، وهو أيضاً من سكان راموت، وصفته البلدية بأنه طالب علم متفوق كرّس نفسه لدراسته ولعائلته. أما ابنه الرابع، الذي وُلد بعد مقتله بنحو شهر، فقد سُمّي باسمه. وكان الدكتور مارك شتاينتساغ طبيب قلب في الأصل، هاجر من الولايات المتحدة قبل أكثر من ثلاثة عقود، وأسّس مخبزاً للخبز الصحي وكان من رواد استخدام أنواع الدقيق الصحية في إسرائيل.
ساريتا مندلسون هاجرت من الأرجنتين وهي في السادسة من عمرها، وشغلت منصب مديرة العلاقات مع السلطات في الإدارة القطرية لحركة «بني عكيفا»، حيث عُرفت بلقب «أم الحركة». أما ليفي يتسحاق باش، من سكان تل تسيون، فعمل في يشيفات «كول توراه» ووُصف بأنه رجل محبوب ومقدّر، واسع القلب، كثير الاهتمام بالآخرين ودائم الابتسامة.
وخاطب رئيس بلدية القدس موشيه ليؤون عائلات الضحايا خلال المراسم قائلاً: «نجتمع اليوم، عشية السنة الجديدة، لتخليد ذكرى أحبائكم الستة الذين قُتلوا بدم بارد على أيدي الأشرار، في الهجوم الإرهابي القاتل الذي وقع عند هذا التقاطع قبل نحو عام. هؤلاء الستة الأعزاء يشكلون فسيفساء إنسانية رائعة من الصفات الحميدة ومن أعمال متنوعة. وجوه جميلة وملهمة، كل واحد بطريقته. ومن الآن فصاعداً ستُخلّد ذكراهم على هذه اللوحة التذكارية أمام أعين المارة الكثيرين، لذكرى أبدية. بلدية القدس وسكانها يرسلون إليكم جميعاً، أيها أفراد العائلات الأعزاء، عناقاً دافئاً وتعازي صادقة. ونرجو أن تحمل أيام الرحمة والغفران معها أخباراً طيبة وخلاصاً وعزاء».
ستنتهي المراسم، وسيغادر الضيوف، لكن اللوحة ستبقى عند التقاطع. وفي القدس، المدينة التي تصوّت مرة بعد مرة لمن يعدونها بالأمن، يبقى السؤال غير المريح: كم لوحة تذكارية أخرى يجب أن تُكشف قبل أن يصبح وعد الأمن محسوساً أيضاً في محطة الحافلات؟


