كم من القدس التي نعرفها يقع فعلاً فوق سطح الأرض؟ خلال الأسبوع، دخل مقاتلو حرس الحدود في القدس إلى مجمع في سلوان ضمن نشاط ميداني للتعامل مع النزاع العنيف بين عائلات في القرية. وأجروا عمليات تمشيط ورافقوا ممثلي جهات رسمية في مجمع يقيم فيه أشخاص متورطون في الأحداث، لكن النشاط اتخذ في مرحلة معينة منحى غير متوقع تماماً.
تحت أحد المباني، كُشفت مغارة دفن قديمة إلى جانب مكتشفات أثرية إضافية. ووصل إلى المكان مختصون من سلطة الآثار الإسرائيلية وأجروا فحصاً أولياً، أشار إلى أن القبور تعود إلى فترة الهيكل الثاني. وفي لحظة واحدة، فتح نشاط شرطي في القدس عام 2026 نافذة على المدينة كما كانت قبل نحو ألفي عام.
كيف أدى نشاط لحرس الحدود في القدس إلى اكتشاف مغارة دفن في سلوان؟
لم يحدث الاكتشاف خلال حفريات أثرية مخطط لها مسبقاً. فقد كانت القوات تعمل في سلوان ضمن جهود الشرطة للوصول إلى منازل المتورطين في النزاع العائلي، وخلال النشاط انكشف الفراغ الموجود تحت المبنى.
وقالت شرطة لواء القدس: “يتواصل النشاط الميداني للواء القدس في إطار النزاع العنيف بين العائلات في قرية سلوان، بهدف الوصول إلى منزل كل شخص متورط. وخلال النشاط، كشف مقاتلو حرس الحدود في القدس تحت أحد المباني مغارة دفن ومكتشفات أثرية إضافية”.
وقامت قوات الشرطة وحرس الحدود بتأمين الموقع، فيما بدأ ممثلو سلطة الآثار الإسرائيلية التعامل مع المكتشفات. وفي هذه المرحلة لا يزال الفحص أولياً، ولذلك لا يمكن بعد تحديد هوية من دُفنوا في المكان، أو الحجم الكامل لموقع الدفن، أو ما إذا كانت هناك مكتشفات إضافية داخله.
ما الذي يختبئ فعلاً تحت الأرض في سلوان بالقدس؟
المغارة التي كُشفت الآن ليست اكتشافاً معزولاً في منطقة بلا تاريخ أثري. تقع سلوان والمنطقة المحاذية لوادي قدرون في قلب نطاق كُشف فيه على مر السنين عن مغارات دفن ومكتشفات أثرية تعود إلى فترات مختلفة. ففي عام 2001، على سبيل المثال، أدت أعمال بنية تحتية في منطقة عين اللوزة في سلوان إلى اختراق مغارة دفن. وكان شارع إسفلتي قد غطى مدخلها لسنوات، قبل أن تكشف الأعمال من جديد الفراغ الموجود تحته.
كما شكّل وادي قدرون على مدى فترات طويلة إحدى مناطق الدفن التابعة للقدس القديمة. وتصف أبحاث أثرية الوادي بأنه أحد مواقع الدفن المركزية للمدينة خلال فترة الهيكل الأول، بينما نُحتت فيه خلال فترة الهيكل الثاني مغارات دفن إضافية كثيرة. وفي ثلاث مغارات فخمة كُشفت سابقاً في المنطقة، عُثر على أوان فخارية وزجاجية، وحلي، وتابوت حجري، وصناديق عظام، حمل بعضها نقوشاً.
بمعنى آخر، لا تزال تحت المنازل والطرق والبنى التحتية في القدس الحديثة فراغات استخدمها سكان المدينة قبل مئات بل آلاف السنين. وليست جميع هذه الفراغات معروفة أو مفتوحة أو محفورة، وأحياناً تكون أعمال بنية تحتية أو بناء أو حدث غير متوقع هي التي تكشفها من جديد.
كم من ماضي القدس لا يزال ينتظر تحت المنازل؟
لا توجد في هذه المرحلة طريقة لمعرفة ما الذي يوجد أيضاً تحت المجمع الذي كُشفت فيه المغارة الجديدة، كما لا يوجد أساس للاستنتاج بأن هذا الاكتشاف يدل على وجود مغارات إضافية قريبة. لكن التاريخ الأثري للمنطقة يبين أن اللقاء بين القدس الحالية والقدس القديمة ليس حدثاً نادراً.
في سلوان ومحيط وادي قدرون، تجري الحياة الحديثة فوق منطقة استُخدمت عبر أجيال للسكن والدفن ولأشكال مختلفة من النشاط البشري. ولذلك فإن ما يظهر فوق سطح الأرض ليس سوى جزء من الصورة.
هذه المرة وصل مقاتلو حرس الحدود بسبب نزاع عائلي، فاكتشفوا مصادفة موقع دفن من فترة الهيكل الثاني. وفي المرة المقبلة قد يكون الأمر طريقاً يُفتح، أو بنية تحتية يجري استبدالها، أو أعمال بناء. في القدس، يكفي أحياناً النزول بضعة أمتار تحت الأرض لاكتشاف أن مدينة ما قبل ألفي عام لا تزال هناك.


