هناك أيام تصنع فيها القدس مفارقتها بنفسها، من دون أي مساعدة. مساء السبت، أضاءت بلدية القدس جسر الأوتار، أحد أبرز رموز العاصمة وأكثرها تصويراً، بألوان علمي إسرائيل والهند، بمناسبة مرور 79 عاماً على استقلال الهند. كانت لفتة احتفالية وملونة ومحترمة تجاه دولة أصبحت خلال السنوات الأخيرة شريكاً قريباً لإسرائيل.
لكن في السبت نفسه ظهرت قدس مختلفة تماماً. أمطار مفاجئة في منتصف أغسطس هطلت على المدينة، وفي أجزاء من القدس الشرقية تحولت الطرق خلال وقت قصير إلى مشهد يصعب التوفيق بينه وبين عبارة “عاصمة إسرائيل”. سيارات حاولت شق طريقها وسط المياه، وشوارع اختفت تحت السيول، وللحظات بدا من الصعب معرفة ما إذا كانت الصور ملتقطة في القدس أم في مدينة ما تزال فيها البنية التحتية الأساسية أمراً غير مضمون.
لماذا حولت أمطار أغسطس شوارع في القدس الشرقية إلى أنهار؟
قد تكون الأمطار غير مألوفة في هذا الوقت من السنة، لكن فجوات البنية التحتية في القدس الشرقية ليست جديدة. منذ سنوات، تعاني أجزاء من شرق المدينة من بنى تحتية قديمة أو ناقصة، وطرق بمستوى متدن، ومشكلات في تصريف المياه، إلى جانب منظومات بلدية لا تنجح دائماً في تحمل الضغط. وكل هطول قوي يتحول فوراً إلى اختبار حقيقي، وحين تفشل المنظومات تظهر النتيجة خلال دقائق.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة التي جعلت مشهد السبت صارخاً إلى هذا الحد. من جهة، تعرف القدس كيف تضيء جسراً بصورة مثالية، وترسل رسالة دبلوماسية وتنتج مشهداً دولياً لافتاً. ومن جهة أخرى، وعلى مسافة غير بعيدة، يجد السكان أنفسهم أمام شوارع مغمورة بالمياه وشعور بأنهم يعيشون في مدينة أخرى تماماً.
كيف تُحفر القدس بلا توقف وما زال الضوء في نهاية النفق بعيداً؟
وتصبح المفارقة أكثر حدة حين ننظر إلى المدينة كلها. خلال السنوات الأخيرة تحولت القدس إلى ورشة أعمال ضخمة. طرق تُفتح وتُغلق، مسارات تتغير، حارات تُبدل، محاور رئيسية تُحفر، وبنى تحتية تُستبدل في كل مكان تقريباً. وكل من يقود في المدينة يعرف الشعور بأن من الصعب العثور على شارع لم تمر به جرافة أو حاجز أو سياج أعمال.
لا شك في أن قسماً كبيراً من هذه الأعمال يهدف إلى معالجة مشكلات حقيقية وتحسين المدينة على المدى البعيد. لكن بالنسبة للسكان، ما زالت القدس بعيدة عن اللحظة التي يمكن فيها القول إن كل هذه المشاريع اتصلت أخيراً بمنظومة حضرية حديثة وفاعلة. المدينة ما تزال محفورة، مزدحمة ومغبرة، وفي بعض أجزائها تكفي فترة قصيرة من المطر لتكشف كم أن الطريق إلى النهاية ما زال طويلاً.
وأشار رئيس بلدية القدس موشيه ليون إلى أن “القدس، عاصمة إسرائيل، فخورة بإحياء الذكرى الـ79 لاستقلال الهند والانضمام إلى احتفالات حليفة وشريكة مهمة لدولة إسرائيل. العلاقات الوثيقة بين إسرائيل والهند ومع رئيس وزرائها ناريندرا مودي تستند إلى صداقة عميقة وقيم مشتركة وعلاقة دافئة تزداد قوة على مر السنين. باسم القدس وسكانها، أتمنى للهند عيد استقلال سعيداً، وآمل في استمرار تعزيز العلاقة المتينة بين الدولتين والشعبين لسنوات طويلة مقبلة”.
لفتة جميلة، والإضاءة كانت بالتأكيد لافتة. لكن القدس قدمت في اليوم نفسه لفتة أخرى، هذه المرة من دون قصد: بينما ارتدى جسر الأوتار ألوان الهند، بدت أجزاء من القدس الشرقية على بعد بضعة كيلومترات فقط وكأنها عالم ثالث قائم بذاته.


