تعود الإنفلونزا كل شتاء، لكنها تصطدم في القدس بواقع حضري معقد بصورة خاصة. فالكثافة السكانية، وكبر حجم العائلات، والمدارس المكتظة، واختلاف أنماط التطعيم بين فئات المجتمع، كلها عوامل تجعل مواجهة الفيروس قضية صحة عامة تتجاوز البعد الطبي المباشر.
بدأت عيادات كلاليت في القدس بالفعل بإعطاء لقاحات الإنفلونزا استعداداً لفصل الشتاء. وقد طلبت كلاليت هذا العام أكثر من مليون جرعة بالحقن، إلى جانب نحو 25 ألف جرعة على شكل بخاخ أنفي مخصصة للأعمار من سنتين حتى 49 عاماً. ويُعطى اللقاح سنوياً لأن سلالات الإنفلونزا تتغير من موسم إلى آخر، كما أن مستوى الحماية يتراجع مع مرور الوقت. وقد تؤدي الإنفلونزا إلى التهاب رئوي، وتفاقم أمراض مزمنة، والدخول إلى المستشفى، وفي الحالات الشديدة إلى الوفاة، خصوصاً لدى الفئات الأكثر عرضة للخطر.
كم من سكان القدس يتلقون لقاح الإنفلونزا فعلياً؟
لا تتوفر نسبة حديثة واحدة يمكن الاعتماد عليها لتمثيل معدل التطعيم ضد الإنفلونزا لدى مجمل سكان القدس. لكن دراسات إسرائيلية أشارت مراراً إلى وجود فروق كبيرة بين المجموعات السكانية المختلفة.
وأظهرت أبحاث تناولت أهالي من المجتمع الحريدي في إسرائيل معدلات تطعيم منخفضة نسبياً ضد الإنفلونزا، سواء لدى البالغين أو الأطفال. كما أظهرت دراسات أخرى شملت أطفالاً صغاراً في إسرائيل معدلات تطعيم منخفضة وفجوات واضحة بين مجموعات سكانية مختلفة. ولا يمكن اعتبار هذه النتائج ممثلة لجميع سكان القدس، لكنها تسلط الضوء على أحد التحديات في مدينة تضم تجمعات حريدية كبيرة.
لماذا يصعب رفع معدلات التطعيم ضد الإنفلونزا في القدس؟
تشير الأبحاث إلى أن القضية أكثر تعقيداً من مجرد “رفض اللقاحات”. فإلى جانب المخاوف من سلامة اللقاح أو الشك في الحاجة إلى لقاح موسمي، توجد أيضاً عوائق عملية، مثل كبر حجم العائلات، وضغط الحياة اليومية، وصعوبة الوصول إلى العيادات، وانخفاض الشعور بالإلحاح عندما يتعلق الأمر بلقاح موسمي.
في القدس قد تكون لهذه العوامل أهمية خاصة. فعندما تلتقي معدلات تطعيم منخفضة مع أحياء مكتظة ومدارس كبيرة ومؤسسات دينية ومجتمعات ذات تواصل اجتماعي يومي كثيف، تزداد فرص انتقال الفيروس بسرعة من شخص إلى آخر.
وقالت أهافا نحماني، مديرة التمريض في عيادة كلاليت “هموشافا” في القدس: “هذا هو الوقت لاختيار صحة أطفالكم وصحة جميع أفراد الأسرة. لقاح الإنفلونزا آمن وفعال، ويقلل من خطر الإصابة بالمرض ومن مضاعفاته”.
كيف تقارن القدس بأهداف التطعيم ضد الإنفلونزا في العالم؟
تواجه أنظمة صحية في أنحاء العالم صعوبة في الوصول إلى معدلات مرتفعة من التطعيم ضد الإنفلونزا لدى جميع الفئات المستهدفة. ولسنوات، استُخدم هدف يقارب 75% لدى كبار السن وبعض الفئات المعرضة للخطر، لكن دولاً كثيرة لا تزال بعيدة عن هذا المستوى.
لذلك، فإن القدس ليست استثناءً في صعوبة رفع الإقبال على لقاح الإنفلونزا. لكن ما يميزها هو تركيبتها السكانية: مدينة شابة نسبياً، كثيفة السكان، تضم أعداداً كبيرة من الأطفال ومجتمعات شديدة التمايز. وفي واقع كهذا، لا يُقاس نجاح حملة التطعيم بعدد الجرعات التي أُعطيت فقط، بل أيضاً بقدرة جهاز الصحة على الوصول إلى الفئات التي تبقى فيها معدلات التطعيم منخفضة.


