بينما تعيش إسرائيل أزمات إعلامية متواصلة، وانقسامات مجتمعية حادة، وتراجعًا متزايدًا في الثقة بالإعلام الرسمي، يختفي بهدوء أحد أبرز رموز الدولة في قلب القدس: مبنى هيئة البثّ الإسرائيلي التاريخي.
كان الناس يلتفون حول شاشاتهم كل مساء في تمام الساعة التاسعة لمتابعة نشرات الأخبار الرسمية، التي مثّلت لسنوات صوت الدولة. لكن اليوم، خلف الأسوار المعدنية والرافعات العملاقة في شارع “ساري يسرائيل”، يوشك مشروع عقاري ضخم على الاكتمال. المشروع مقام بالضبط فوق أنقاض الهيئة التي كانت تبثّ “صوت روح الدولة”.
يطلّ على المحطّة المركزية في القدس
المجمّع السكني الجديد يرتفع بفخامته وسط المدينة، مُطلًّا من علٍ على مجمّع شنلر، ومن الجهة الغربية على المحطّة المركزية، وعلى الأحياء القديمة المحبوبة: “مكور باروخ” و”غئولا”.
لافتات ضخمة كُتبت بعدة لغات تعلن: “بيتك هو فندقك”. ولكن على بُعد أمتار قليلة فقط، ما زالت العائلات المقدسية تعيش بتواضع، في شقق صغيرة مكتظة، معظمها دون ملاجئ أو حماية حقيقية. هناك، لا يزال الأطفال ينامون اثنين في سرير واحد.
(هدد بقتل مدنيين في ماراثون الدراجات بالقدس)
تحوّل رمزي عميق في قلب القدس
بالنسبة لكثيرين، هذا المكان لا يُعتبر مبنى عاديا. هنا، بُثّت الحروب، وبرامج الأطفال، والوثائقيات، والمناسبات الوطنية. من هنا نشأت ذاكرة إعلامية جمعت ثلاثة أجيال – واليوم تُردم تحت الإسمنت.
المذيع “حاييم يافين”، المعروف بلقب “السيد تلفزيون”، كان حاضرًا في كل بيت. سيدة مقدسية من شارع “ملكي يسرائيل” قالت: “كان فردًا من العائلة”.
حتى من ينتظرون دورهم في عيادة “كلاليت” القريبة، يرفعون رؤوسهم ويقولون: “هذا لم يكن مبنىً حكوميًا فقط – هنا كانوا يخاطبون الشعب بصوت موحَّد”. وسائقو التاكسي يتذكرون أيضًا: “هنا بثّوا برامج مثل: ‘مباط سبورت’ و’نيكوي روش’ و’زهو زيه’.”
أما الأطفال، فما زالوا يرددون أسماءً محفورة في الذاكرة: فرڤر نحمد، تيليڤليه، قشط بعنان، شارع سمسم…
سيدة مقدسية خرجت من الدكان المجاور قالت: “نعم، هذا المبنى كان أكثر من مجرد جدران.”
(الخط الرفيع بين الخليل والقدس قد ينفجر)
لقد كان قلب البثّ الرسمي في الدولة. مركز تردّدات وطنية احتضن المهرجانات الثقافية، والبرامج التعليمية، والدراما الإذاعية، والبثوث المباشرة – تحت سقف واحد. مع مذيعين مثل: دان كنير، دانيئيل ﭘـئير، ساري راز، يعقوب أحيمايير، رفيق حلبي، زهير بهلول وغيرهم من الأسماء الكبيرة.
مبنى حجري دخل القلوب، وتحوله إلى مشروع عقاري فاخر يُجسّد تغيّرًا جوهريًا، ليس فقط في المشهد العمراني – بل في الذاكرة الجماعية والهوية الوطنية أيضًا.


