يريد الإنسان أن يستيقظ صباحًا، يذهب إلى عمله، ثم يعود إلى منزله حاملًا أجره. لكن حتى هذه المهمة البسيطة تمر في القدس أحيانًا عبر حدود وتصاريح وحواجز وقيود أمنية. في جانب يقف فلسطينيون من الضفة الغربية يبحثون عن العمل، وفي الجانب الآخر مشغّلون إسرائيليون، من بينهم يهود، يحتاجون إلى الأيدي العاملة.
عندما يُمنع الدخول إلى إسرائيل، لا تختفي الحاجة الاقتصادية. بل تُدفَع إلى أماكن خفية. يبقى العمّال قرب مواقع العمل المحتملة، وينامون في غرف جانبية أو مخازن أو ورش بناء أو مبانٍ لم تُخصّص أصلًا للسكن. يحصل المشغّل على قوة عاملة متاحة، بينما يحصل العامل على فرصة لإعالة أسرته، لكن الطرفين يعملان في مواجهة منظومة قانونية وأمنية صُمّمت لمنع هذا الارتباط تحديدًا.
لماذا تصبح الحاجة إلى كسب الرزق أقوى أحيانًا من المنع؟
الرزق ليس فكرة مجردة. إنه طعام وإيجار وديون وأطفال ينتظرون في المنزل. عندما يُغلق الطريق القانوني إلى العمل، يستمر الضغط الاقتصادي. ويصبح العامل الذي لا يملك وضعًا قانونيًا عرضة للخطر بصورة خاصة، إذ قد يتلقى أجرًا أقل، ويُحرم من الحقوق الأساسية، ويصبح معتمدًا بالكامل على الشخص الذي يشغّله أو يوفر له مكانًا للنوم.
ولا يتحرك المشغّل دائمًا انطلاقًا من موقف سياسي. قد يكون مقاولًا أو صاحب متجر أو شخصًا عاديًا يحتاج ببساطة إلى عمّال متاحين. لكن التقاء هذه الحاجة مع الحظر القانوني يخلق اقتصادًا قائمًا على الاختباء، يدرك فيه الطرفان أن العلاقة بينهما قد تنتهي بالاعتقال أو الغرامة أو التحقيق.
أين ظهر في الماضي صراع مشابه بين الدولة وسوق العمل؟
حاولت دول كثيرة عبر التاريخ تقييد حركة مجموعات بشرية، بينما واصلت الاستفادة من عملها. في جنوب أفريقيا خلال حقبة الفصل العنصري، استُخدمت قوانين المرور للسيطرة على انتقال العمّال السود إلى المدن، في الوقت الذي اعتمدت فيه المناجم والمراكز الحضرية على عملهم.
وفي ألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، استُقدم ملايين العمّال الأجانب ضمن برامج رسمية هدفت إلى معالجة النقص في الأيدي العاملة. لا تتطابق هذه الحالات مع الواقع في القدس، لكنها توضح مبدأ متكررًا: يضع المجتمع المنظم حدودًا، بينما يواصل الاقتصاد طلب العمّال. وتؤدي الفجوة بين الأمرين أحيانًا إلى حلول مؤقتة تتحول مع الوقت إلى واقع دائم.
ماذا عثرت الشرطة داخل المدرسة في بيت صفافا بالقدس؟
ظهر هذا التوتر بوضوح في حي بيت صفافا، حيث داهم عناصر من مركز شرطة موريا مبنى مدرسة وعثروا على 17 فلسطينيًا يقيمون داخل إسرائيل من دون تصاريح. ووفقًا للشرطة، حُولت أجزاء من المبنى إلى مجمّع نوم مرتجل شمل غرفًا وأسرّة ومرافق للاستحمام.
بدأت العملية بعد شكاوى قدمها أهالٍ بشأن وجود أشخاص غرباء داخل المبنى بعد انتهاء ساعات النشاط، في وقت كانت تُقام فيه مخيمات صيفية وفعاليات للأطفال داخل المدرسة. وجرى اعتقال المشتبه بهم ونقلهم إلى التحقيق. ولم يوضح بيان الشرطة أين كانوا يعملون، أو من كان يشغّلهم، أو من ساعدهم على الوصول إلى المبنى.
وجاء في بيان صادر عن شرطة لواء القدس: “تنظر شرطة إسرائيل ببالغ الخطورة إلى أي تعدٍّ على الممتلكات وإقامة غير قانونية، ولا سيما في الأماكن المخصصة للأطفال وأبناء الشبيبة، وستواصل العمل بحزم ومن دون تسامح ضد مخالفي القانون، من أجل الحفاظ على سلامة الجمهور وأمنه”.
يرسم القانون حدًا واضحًا، بينما تدفع الحاجة إلى كسب الرزق في الاتجاه المعاكس. وبين الطرفين يختبئ أشخاص يحاولون تنفيذ واحدة من أبسط المهام الإنسانية: العمل والعودة بالمال إلى المنزل.


