لليلة واحدة، حاولت القدس أن تبدو كأنها أمريكا. مساء السبت، أُضيئت أسوار البلدة القديمة وجسر الأوتار بالأحمر والأبيض والأزرق، ألوان علم الولايات المتحدة، بمناسبة مرور 250 عاما على استقلالها. على الحجارة القديمة، وعلى أحد أبرز رموز مدخل المدينة، ظهرت ألوان الصداقة والحرية والديمقراطية.
لكن نهاية الأسبوع نفسها في القدس روت حكاية أخرى تماما. فقبل أن تُضاء الأنوار مساء السبت، كانت اضطرابات قد اندلعت ظهر السبت في شارع أغريباس، بعدما تجمعت حشود من الحريديم وعرقلت عمل مقهى جديد يعمل يوم السبت. الفجوة بين علم الولايات المتحدة على أسوار القدس وبين المعركة في الشارع ضد محل تجاري مفتوح يوم السبت، قد تكون واحدة من أدق صور القدس في هذه المرحلة.
هل تستطيع القدس حقا الاحتفال بالحرية الأمريكية؟
أضاءت بلدية القدس مساء السبت، 4 يوليو، أسوار البلدة القديمة وجسر الأوتار بألوان علم الولايات المتحدة، بمناسبة مرور 250 عاما على استقلال الولايات المتحدة. وبحسب البلدية، فإن الإضاءة جاءت كتعبير عن الصداقة والتقدير للعلاقة الوثيقة والمستمرة بين الدولتين، وبين القدس، عاصمة إسرائيل، والشعب الأمريكي.
أسوار البلدة القديمة وجسر الأوتار، وهما من أبرز رموز القدس، تحولا لليلة واحدة إلى شاشة ملونة من الأعلام والأضواء والرموز الدولية. غير أن هذا الاحتفال لا يستطيع طمس الواقع السياسي والاجتماعي في المدينة: منذ نحو 20 عاما، القوى الأكثر هيمنة في كل انتخابات تقريبا في القدس هي الأحزاب الحريدية وأحزاب اليمين.
ماذا حدث في المقهى بشارع أغريباس؟
ظهر السبت، وقبل مراسم الإضاءة الرسمية مساء، تجمعت حشود من الحريديم حول مقهى جديد في شارع أغريباس يعمل يوم السبت. وبالنسبة إلى كثيرين في الجمهور الليبرالي في القدس، كان المشهد علامة إضافية على اتجاه أوسع: محاولة مستمرة لدفع نمط حياة أكثر حرية وانفتاحا وعلمانية إلى خارج المناطق المركزية في المدينة.
رئيس بلدية القدس موشيه ليئون انتخب في الدورات الأخيرة على أساس كتلة سياسية صلبة، يتمتع فيها الناخبون الحريديم بوزن حاسم. هؤلاء الناخبون، وكذلك بعض القوى السياسية المحيطة بهم، لا يؤمنون بنهج ليبرالي في الحياة المدنية، بل بنمط محافظ، متقشف، أكثر انغلاقا، وأحيانا انعزالي. لذلك، عندما تضيء القدس رموزها بألوان أمريكا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بما يظهر على الأسوار، بل بما يحدث على الأرصفة تحتها.
لماذا يبدو علم الولايات المتحدة مختلفا في القدس؟
رئيس بلدية القدس، موشيه ليئون، أشار إلى أن “القدس فخورة بإحياء عيد الاستقلال الـ250 للولايات المتحدة، الصديقة القريبة والمهمة لدولة إسرائيل. هذه اللفتة تعبّر عن التقدير العميق للشراكة الطويلة بين الدولتين، القائمة على قيم مشتركة من الحرية والديمقراطية”.
وأضاف ليئون: “نتمنى للشعب الأمريكي عيد استقلال سعيدا، ونتطلع إلى مواصلة تعزيز العلاقات بين القدس وصديقتنا الكبرى، الولايات المتحدة”.
هذه العبارات تبدو احتفالية، لكنها في القدس تحمل معنى أكثر تعقيدا. تستطيع المدينة أن تضيء أسوارها بألوان علم الولايات المتحدة، لكنها لا تستطيع إخفاء السؤال الأساسي: هل هي مستعدة حقا للعيش وفق قيم الحرية والانفتاح والديمقراطية عندما تصل هذه القيم إلى مقهى مفتوح يوم السبت في شارع أغريباس؟


