في “هار حوتسفيم”، أحد أهم المراكز التكنولوجية في القدس، تسود أجواء من القلق والترقب. هذا الحي الذي كان في السابق رمزًا للنمو والاستقرار، بات اليوم يعكس حالة من الخوف الصامت من مستقبل مجهول.
“نحن نشعر بذلك في الجدران – صمت، قلة في الاجتماعات، وتراجع في التفاؤل”، تقول عَدي، مديرة منتج ذات خبرة طويلة. “قبل عام كنا نتحدث عن التوسّع، أما الآن فالكثيرون لا يعلمون إن كانوا سيبقون في وظائفهم غدًا. أصبح الجميع يتحرك بحذر وكأننا ننتظر انقطاع التيار الكهربائي.”
أما دانيال، وهو مطور برمجيات في شركة متوسطة الحجم، فيعبّر عن قلق أعمق:
“لم يتم الاستغناء عني لأنني فشلت، بل لأنهم وجدوا طريقة لأداء عملي من دوني. أدوات الذكاء الاصطناعي تتعلم بسرعة وتتفوق بسرعة أكبر. تجلس أمام الكود وتشعر وكأنك آخر من يكتبه بيديه.”
(1300 وحدة سكنية جديدة تغيّر وجه أحياء القدس)
عندما تكتب الخوارزميات الشيفرة
موجة التسريحات الأخيرة في قطاع التكنولوجيا لا تعود فقط للأوضاع الاقتصادية، بل تمثل تحولًا عميقًا في طبيعة العمل. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة مساعدة – بل أصبح منفّذًا فعليًا.
أدوات مثل GPT، ومكتبات مفتوحة المصدر، ومنصات أتمتة متطورة تنفّذ مهامًا كانت تتطلب فرقًا كاملة في الماضي. ومع ارتفاع تكلفة الأيدي العاملة، بات الخيار الواضح أمام الشركات هو الاعتماد على الآلات.
تقدّر التوقعات الدولية أن نحو 44٪ من مهام التطوير والاختبار وتحليل البيانات قد تُنفّذ تلقائيًا بحلول عام 2026. وفي مدينة كالقدس، حيث تلتقي التكنولوجيا بالهوية والسياسة، قد تكون التأثيرات أوسع بكثير من مجرد فقدان وظائف.
ربع الوظائف في خطر؟
يحذر الخبراء من احتمال فقدان ما يصل إلى 25٪ من الوظائف في بعض مجالات البرمجة والبنية التحتية، خاصة بين المطورين المبتدئين أو الذين لا يمتلكون مهارات غير قابلة للاستبدال.
في القدس، حيث يشكّل “هار حوتسفيم” مركزًا رئيسيًا للاقتصاد التكنولوجي، فإنّ هذا التغيير قد يضرب ليس فقط سوق العمل، بل يزعزع التوازن الاجتماعي والاقتصادي في المدينة. تقليص الوظائف هنا لا يعني فقط تراجعًا في الدخل – بل يشير إلى تغير في دور التكنولوجيا كمصدر للأمان والانتماء في قلب العاصمة.
(القدس والأطفال: نقاش مستمر بعد الدوام المدرسي)
بين الخوف وإعادة التشكيل
رغم كل شيء، يرى البعض في الذكاء الاصطناعي فرصة للتطور. فالمجالات التي تجمع بين الإبداع والقدرة على التعامل مع الأنظمة المعقدة قد تبقى محمية.
لكن بالنسبة لكثيرين، تكمن المشكلة في سرعة التحوّل. تقول عدي: “حتى لو ظهرت وظائف جديدة، من سيبقى لينافس عليها؟ ومن سيمنحك فرصة إن كنت قد خرجت أصلًا؟ التغيير سريع جدًا – ولم يكن لدينا وقت للتأقلم.”
وفي “هار حوتسفيم”، تبدو الواجهة براقة كما كانت – لكن الصمت في المكاتب أصبح مخيفًا.


