بعد أيام الحداد في فترة عدّ العومر، تمتلئ ساحة حائط البراق في القدس من جديد بأجواء احتفالية، حلوى، بالونات وشالات صلاة بيضاء، خصوصا مع احتفالات البار متسفا التي تمثل تقليدا تاريخيا، ونعم، نضجا وهوية يهودية.
أزقة البلدة القديمة في القدس تفوح منها رائحة القهوة، وكثيرون يتدفقون منها نحو ساحة حائط البراق، حيث تُسمع دقات الطبول الأولى. فتيان في الثالثة عشرة يسيرون داخل دوائر عائلية مزدحمة، ملفوفين بشال صلاة جديد ما زال يجد صعوبة في الاستقرار على أكتافهم الصغيرة. أجداد وآباء وضيوف يتأثرون حتى الدموع، وأمهات يهمسن بصلوات وتضرعات للابن الذي كبر، وسط غناء “سيمان طوف ومازال طوف”.
لماذا تثير مراسم البار متسفا عند حائط البراق في القدس كل هذا التأثر؟
بعد أسابيع طويلة من عادات الحداد في فترة عدّ العومر، وهي فترة ترتبط في التقليد اليهودي بوفاة 24 ألفا من تلاميذ الحاخام عكيفا، جاء عيد لاج بعومر ومعه لحظة تحول. تعود الفرحة، وكأن مواعيد التقويم اليهودي تفتح من جديد أبواب حياة أخرى: حفلات زفاف، قصات شعر، وقبل كل شيء موسم صعود أبناء البار متسفا لقراءة التوراة.
ليس صدفة أن يختار كثيرون إقامة الطقس عند حائط البراق، قبل عيد شافوعوت بقليل. في عيد نزول التوراة، تكون الرمزية مضاعفة. فالطفل لا يحتفل بعيد ميلاد فحسب، بل يدخل عالما من المسؤولية الروحية، في الفترة نفسها التي يستعد فيها الشعب اليهودي كله من جديد لتلقي التوراة.
بالنسبة إلى كثيرين، اللحظة الأكثر درامية في الطقس هي القراءة الأولى في التوراة. الفتى الذي ترك في البيت ألعاب الكمبيوتر وكرة القدم التي تنتظره، عليه الآن أن يواجه الانفعال المصاحب لعيد ميلاد من نوع آخر. يقف أمام سفر التوراة ويقرأ مقطع الأسبوع الموافق لتاريخ ميلاده العبري، وهي تلك التقسيمة القديمة لأسفار موسى الخمسة إلى 54 مقطعا. وفق التقليد، تبلورت هذه التقسيمة في زمن الحكماء، ونُظمت عبر الأجيال لصنع دورة قراءة سنوية ثابتة لكل جماعات إسرائيل. هكذا، عمليا، يدخل طفل في الثالثة عشرة إلى سلسلة نصية وتاريخية عمرها آلاف السنين.
ماذا ترمز قراءة التوراة في سن الثالثة عشرة؟
بمعنى ما، هذا أيضا طقس عبور كوني. مثل طقوس البلوغ لدى قبائل في إفريقيا، أو طقس البلوغ الياباني الذي يشير إلى دخول مرحلة النضج، فإن الصعود إلى قراءة التوراة يحدد لحظة يعلن فيها المجتمع للطفل: من الآن أنت تتحمل مسؤولية أفعالك وهويتك.
عند حائط البراق، يكتسب الطقس قوة إضافية. الحجارة القديمة، التي عرفت الخراب والمنفى وأيام الذكرى والحروب، تتحول إلى شاهدة على لحظات حميمة يحمل فيها فتى صغير للمرة الأولى قوة التوراة أمام عائلته. ربما لهذا السبب يواصل هذا الطقس التأثير في الناس حتى في عصر الشاشات والشبكات الاجتماعية. في عالم يبدل ترنداته بسرعة، ما زالت هناك قوة هائلة لطفل واحد يقرأ بصوت مرتجف وطفولي نصا كُتب قبل آلاف السنين، من سفر توراة مزخرف. إنها آيات كتبت على رق من دون تشكيل، وقد تدرب الفتى على قراءتها كما يجب.
إنه مجند أخضر في هذا الطقس، ولا يفهم بعد لماذا تدمع أمه وتتخيله مجندا في مكان آخر بعد خمس سنوات.


