شهدت قبة الصخرة في القدس، والمسجد الأقصى، والساحة الواسعة المرصوفة بالحجر والمزينة بأشجار السرو والزيتون العتيقة، في الأيام الأخيرة حدثا مختلفا وشخصيا. وتحت سماء الصيف، خلال عيد الحب اليهودي، دوى فجأة سؤال واحد غيّر الأجواء بالكامل: “هل تتزوجينني؟”.
للحظة، بدا وكأن التوتر والتعليمات والحساسيات الأمنية في القدس قد تلاشت. ركع شاب على إحدى ركبتيه، وأخرج خاتما وطلب يد حبيبته للزواج. وكان من الممكن أن تكون اللحظة أكثر قوة لو كان اسم شريكته، مصادفة، موريا، وهو أحد الأسماء المرتبطة بالجبل المقدس.
صفق بعض الحاضرين، فيما أخرج آخرون هواتفهم، ولم تتأخر زغاريد الفرح. ولثوان معدودة، تحول أحد أكثر المواقع حساسية في القدس، بل وفي العالم بأسره، إلى مسرح للحب.
لماذا أثار عرض الزواج في الحرم القدسي عاصفة من الجدل؟
لكن هذه القصة أكبر بكثير من مجرد عرض زواج.
قبل ذلك بأيام قليلة، في ذكرى التاسع من آب العبري، صعد يهود إلى الحرم القدسي عبر باب المغاربة، مرورا بالجسر الممتد فوق ساحة حائط البراق وقسم النساء. ودخل الزوار إلى الحرم ضمن مجموعات منظمة، وتلقت كل مجموعة إحاطة شرطية مفصلة. وقد أوضح لهم بدقة أين يسمح لهم بالسير، وكيف ينبغي التصرف، وإلى أي مدى يمكنهم الاقتراب. عرض الزواج لا يظهر في التعليمات، وكذلك الركوع الاحتفالي على ركبة واحدة.
ومع ذلك، اختير المكان والتاريخ داخل موقع يقف منذ عشرات السنين في قلب نزاعات دينية وقومية وسياسية. وهو موقع شهد عنفا وجرحى وانتقاما وحروبا حول مكان ينافس في قداسته جبل نبو وجبل سيناء.
ما الذي دار في ذهنه؟ ربما اعتقد أنه لا يوجد مكان أكثر رمزية لبدء فصل جديد في الحياة. وربما أراد أن يمنح شريكته ذكرى لن تمحى أبدا. وربما حلم بهذه اللحظة طوال أشهر. لا يمكن إلا تخيل حجم انفعاله، وانفعالها أيضا، حين أدركا أنهما يسيران في طريق لا عودة منه.
ثم يأتي السؤال الذي لم يطرحه أحد تقريبا: هل يمكن أصلا الإجابة بـ”لا” على عرض زواج كهذا، بينما يراقب عشرات الأشخاص ويصورون ويصفقون ويهتفون؟ وهل تبقى مساحة حقيقية للرفض؟ ففي المكان الذي تحسب فيه كل خطوة، يتحول حتى القرار الأكثر شخصية خلال لحظة إلى حدث علني.
وعند خروجهما من الموقع في القدس، أوقف الزوجان لجلسة استماع قصيرة بسبب تجاوز قواعد السلوك. وكان الرد محدودا، ثم أطلق سراحهما لمواصلة طريقهما. لكن القصة كانت قد حققت أثرها بالفعل، وتحولت إلى حديث اليوم.
هل عرض الزواج في الحرم القدسي لفتة رومانسية أم حدث سياسي؟
شهدت القدس وإسرائيل على مر السنين عروض زواج مبتكرة للغاية: في منتصف مباريات كرة القدم، وخلال حفلات ضخمة لمطربين، وعلى قمة مسادا، وفي منطاد هوائي، وحتى أثناء القفز بالمظلات. لكن عرض زواج في الحرم القدسي ينتمي إلى فئة مختلفة تماما. فهو ليس رومانسيا فقط، بل يحدث في مكان يجسد تاريخا وإيمانا وحساسية ورمزية لا مثيل لها.
وربما يمكن فهم، إلى حد ما، سبب إثارة الحدث انتقادات لدى الأوقاف ولدى قطاعات من الجمهور المسلم، التي رأت فيه خروجا عن الطبيعة الحساسة للمكان. فقد شهد موقع مقدس احتفالا يهوديا صغيرا ذا طابع شخصي ومدني.


