كُتبت كلمات لا تُحصى، وستُكتب كلمات أخرى، عن الدراما التي تدور يوميًا أمام قبر راحيل على مشارف القدس. تصل بنات إسرائيل وهن يحملن ما ينقص في حياتهن، ومعهن أمل وإيمان يبقيان بين جدران المكان. وقبيل رأس السنة العبرية، ومع بداية العام الدراسي في إسرائيل وتساقط رذاذ المطر المحلي، لا شيء يوقف وصولهن إلى قبر راحيل.
عند الخروج من القدس باتجاه الطريق المؤدي إلى بيت لحم، بين كروم الزيتون وبين نساء من مختلف أطياف المجتمع الإسرائيلي، تتكشف قصة أخرى: الحاجة الإنسانية إلى أم يمكن المجيء إليها، والبوح لها ومشاركتها، حين لا يعود هناك من يضاهيها.
لماذا تمتلئ حافلة 163 من القدس إلى قبر راحيل خلال شهر إيلول؟
محطة الحافلة رقم 163 في القدس، المتجهة إلى قبر راحيل أمنا، مزدحمة. إنها أواخر شهر إيلول العبري وبداية شهر سبتمبر بحسب التقويم العالمي، ويبدو أن هناك هذه المرة من يكون جدول يومه أقوى من أي جدول مواعيد. حتى رذاذ المطر المحلي لا يدفع أيًا من المنتظرين إلى تغيير خططه.
تكشف الرحلة جنوبًا عن كروم الزيتون، وفيها بشارة باقتراب موسم القطاف. أشجار زيتون عتيقة وجميلة تقف في صفوف دقيقة، وكأن يد مهندس رتبت هنا استعراضًا من أشجار الزيتون لاستقبال القادمين. تحولت راحيل أمنا إلى رمز صمد عبر أجيال وحروب وأزمات. أم يأتي إليها الناس في أيام الهدوء، ولكن خصوصًا حين يكون البيت من الداخل والخارج قلقًا وفي أزمة.
كُتب الكثير، وسيُكتب المزيد، عن راحيل زوجة يعقوب أبينا، وأم يوسف وبنيامين، التي توفيت أثناء ولادته ودُفنت في طريق أفرات القريب من القدس. ويبدو أن السؤال الأكثر إثارة للاهتمام هو: ما الذي ما زال من الممكن روايته عنها، وما الذي ما زال يجذب الناس إليها، جيلًا بعد جيل، منذ آلاف السنين؟
يأتون طلبًا للعزاء وبحثًا عن قليل من الأمل لدى الأم المرتبطة بالبكاء على أبنائها. خلال السنوات الصعبة التي مرت بها إسرائيل في الآونة الأخيرة، وصل إلى هنا كثيرون للصلاة من أجل عودة المختطفين. وآخرون يروون عن صلوات استُجيبت، وعن معجزات ولحظات وجدوا فيها هنا القوة والعزم على مواصلة حياتهم.
ماذا تطلب النساء عند قبر راحيل قبيل رأس السنة العبرية؟
حول القبر تتزاحم نساء من جميع فئات المجتمع، متدينات متشددات وعلمانيات، شابات ومسنات، من مختلف أنحاء إسرائيل. يقبّلن مزوزات الفضة ويصلين بخشوع من كتب المزامير وكتب الصلاة وكتب السليحوت. رأس السنة العبرية بات قريبًا جدًا، وكل واحدة تأتي وهي تحمل رجاءً بشأن ما ينقص في حياتها. صلوات من أجل الأبناء والأحفاد والزوج والكنائن، وأحيانًا طلب لا يعرفه إلا القلب.
وربما هنا تحديدًا يكمن سر المكان. ليس فقط فيما يطلبنه، بل في مجرد قرار مشاركة من عانت هي نفسها الكثير في حياتها. هذا هو المكان الذي يصل إليه الناس بحثًا عن جواب، ولمس الأمل، والشعور بأن هناك من يصغي، ثم المغادرة أقوى بعد عناق أم.
«صوت سُمع في الرامة، نوح وبكاء مرير، راحيل تبكي على أبنائها وتأبى أن تتعزى.
امتنعي عن البكاء، لأن لعملك أجرًا.
سأبنيك من جديد فتُبنين…»
(من المصادر).
هذه هي الكلمات التي تقوّي أمة كاملة منذ القدم وحتى اليوم، وكذلك الذين يصعدون إلى قبر من انتظروا أربع عشرة سنة حتى يتزوجها. راحيل! لتكن استحقاقاتها حامية لنا.


