لفّت الأيام الأولى من عملية “زئير الأسد” أزقة سوق محانيه يهودا في القدس بصمت غير مألوف. فبدلاً من صخب المتسوقين والسياح المعتاد، لم تُسمع سوى عبارات قصيرة ونداءات سريعة من أشخاص يهرعون في طريقهم – نحو الغرفة الآمنة أو المأوى في منازلهم.
ومع توقف القطار الخفيف وتقليص وسائل النقل العام، لم يصل إلى السوق سوى عدد قليل من الناس. أولئك الذين اضطروا لاستكمال شراء احتياجات أساسية بعد يوم السبت اشتروا بسرعة من دون مقارنة الأسعار، من متاجر وبسطات كانت مفتوحة جزئياً فقط.
كيف تعامل سوق محانيه يهودا في القدس مع صفارات الإنذار؟
لكن تجار السوق في القدس فهموا منذ زمن بعيد أن صلابة مصدر رزقهم مرتبطة بميزة معروفة لدى المقدسيين – القدرة على التكيف السريع مع واقع متغير. خلال أيام قليلة فقط، أصبحت التنبيهات على الهواتف وصفارات الإنذار جزءاً من الروتين اليومي، وبدأت حركة الزوار تزداد تدريجياً. لم يختفِ الخوف، لكن الحياة بدأت تنتظم حوله. أما بائعو الخضار فلم يستسلموا للحظة. فقد وصلوا باكراً في الصباح، وأنزلوا بضائع طازجة ورتبوها بدقة تكاد تكون احتفالية. بروكلي أخضر طازج، وقرون فول خضراء يافعة، وزهيرات قرنبيط بيضاء كأنها غيوم صغيرة بأسعار في متناول الجميع.
حتى قرون الحمص الخضراء التي يسميها المقدسيون “حمنا ملانا”، وهي ذكرى طفولة لزوار سوق محانيه يهودا القدامى، عُرضت للبيع وخُطفت سريعاً من فوق البسطات. لم يكن هذا العرض مجرد تجارة، بل كان إعلاناً واضحاً: السوق مفتوح والحياة مستمرة.
كيف تعود الحياة إلى طبيعتها في سوق محانيه يهودا في القدس أثناء الحرب؟
هكذا بُنيت العودة التدريجية بين صافرة وأخرى: توقف لتناول قهوة صغيرة، وتبادل كلمات مع البائع إيهود الذي يعد بأن الأسبوع القادم سيشهد عودة كاملة إلى الروتين – وهي كلمات تجذب مزيداً من المتسوقين الذين يحملون في سلالهم، إلى جانب الموز والفراولة، شيئاً من الأمل إلى قلوبهم.
سوق محانيه يهودا في القدس يبدو خالداً، ويعمل كأنه ميزان حرارة اجتماعي يوضح كيف تتغلب مدينة على مخاوفها وتبدأ في التنفس والتحرر. وقد تعزز هذا الشعور بالتحرر في عيد شوشان بوريم في الشوارع القريبة من السوق، حيث استمرت الاحتفالات في شارعي نيسيم بخار وأغريباس، حتى إن المحتفلين لم يعرفوا إن كان هناك اعتراض صاروخي في السماء أم لا. بملابس تنكرية وموسيقى ورقص وضحك، تدفق مئات المحتفلين إلى الحانات والمقاهي القريبة، وكأنهم قرروا معاً ألا يسمحوا للخوف بإبطاء إيقاع القدس. وحتى عندما سُمعت صفارات إنذار هنا وهناك، لم تتوقف الاحتفالات.
هكذا يعمل السوق المقدسي منذ أكثر من مئة عام. قد يغلق للحظة ويتقلص، لكنه يعرف مدى وفاء حلفائه. ليس عبر بيانات كبيرة أو تصريحات رسمية، بل عبر عادات تجري في عروقه وعروق محبيه. الديناميكية الملونة، تجربة التسوق، لقاء المعارف – هذه هي صرخة السوق الأبدية عبر الأجيال، صرخة تكرس الإصرار العنيد على مواصلة الحياة والتغلب على الخوف.


