أُغلقت حديقة الاستقلال في القدس، إحدى المساحات الخضراء المعروفة في مركز المدينة، خلال الأيام الأخيرة بسياج أبيض مرتفع، ولم تعد زيارة المكان أو الدخول إليه ممكنة. وفي بداية الصيف تحديدا، حين تحتاج المدينة إلى كل مساحة ظل مفتوحة، تبدو الحديقة من الخارج كأنها ورشة عمل مغلقة أخرى.
وقد ظهرت على السياج كتابات غرافيتي واضحة، بينها “لقد أغلقتم حديقتنا” و”هنا دُفنت حديقة الاستقلال”. بالنسبة إلى كثير من سكان القدس الذين يمرون في المكان، لا يدور الأمر فقط حول احتجاج على حديقة واحدة، بل حول شعور أوسع بمدينة تُغلق زاوية بعد زاوية – أرصفة، طرق، ساحات، شوارع، والآن أيضا حديقة مركزية في قلب القدس.
لماذا أُغلقت حديقة الاستقلال في القدس أمام الزوار؟
يهدف هذا الإجراء إلى تنفيذ أعمال ترميم في الحديقة، وإعداد بنى تحتية لمشاريع مختلفة في مجالي المواصلات والعقارات المخطط لها في المنطقة. لكن التوقيت والموقع يجعلان الإغلاق حساسا على نحو خاص. فحديقة الاستقلال ليست حديقة هامشية أو مساحة مفتوحة جانبية، بل فضاء عام مركزي يستخدمه السكان والموظفون والعائلات والشباب والزوار في مركز المدينة.
الاسم الرسمي للمكان هو حديقة هاري ويلف. تقع الحديقة بين شارع الملك جورج من الغرب، وشارع غرشون أغرون وساحة فرنسا من الجنوب، وشارع هليل من الشمال، وشارع منشه بن يسرائيل والمقبرة الإسلامية القديمة ومتحف التسامح من الشرق. تاريخيا، كان معظم هذا الموقع جزءا من مقبرة مأمن الله، وفي آذار عام ١٩٢١ حُددت المنطقة كمساحة مفتوحة في مخطط للمهندس المعماري تشارلز روبرت أشبي، وفي ثلاثينيات القرن الماضي أُقيم الجزء الأول من الحديقة، المعروف اليوم باسم حديقة مئير شرمان.
هل تغلق أعمال البنية التحتية في القدس الحدائق أيضا؟
في قدس حزيران ٢٠٢٦، ينضم إغلاق حديقة الاستقلال إلى واقع حضري يثقل أصلا على السكان: أعمال بنية تحتية، حفريات، إغلاقات، غبار، ضجيج واختناقات مرورية كبيرة. وحتى عندما تكون بعض المشاريع ضرورية لمستقبل المدينة، فإن النتيجة اليومية بالنسبة إلى من يعيشون فيها هي شعور بضغط لا يتوقف.
في عام ١٩٥٧ بدأت أعمال تطوير الجزء الغربي من الحديقة وتحويله إلى متنزه عام، بدعم من يهود جنوب إفريقيا. وافتُتحت الحديقة للمرة الأولى في يوم الاستقلال عام ١٩٥٨، ثم مرة أخرى في نهاية عام ١٩٥٩. لذلك لا يدور الحديث عن مساحة عشبية حضرية فقط، بل عن مكان يحمل طبقات تاريخية عميقة، وأصبح مع السنين جزءا من الذاكرة المدنية لمركز القدس.
كيف يرتبط ترميم حديقة الاستقلال بأزمة المرور في القدس؟
ما يثير دهشة سكان القدس قبل كل شيء هو المشهد نفسه: حديقة مركزية، مفتوحة ومعروفة، محاطة بالكامل بسياج أبيض، من دون إمكانية للدخول. بدلا من العشب والأشجار والممرات – جدار طويل. وبدلا من مساحة للتنفس – إغلاق آخر. في مدينة بات كل مسار فيها يشبه اجتياز عقبات، يُنظر إلى إغلاق الحديقة أيضا كمساس إضافي بالحياة اليومية.
السؤال ليس فقط ما إذا كانت حديقة الاستقلال تحتاج إلى ترميم. السؤال هو كيف يمكن إدارة مدينة أثناء أعمال الترميم من دون تحويلها إلى مساحة مغلقة ومرهقة. السكان لا يعارضون بالضرورة تطوير الحديقة أو تحديث البنية التحتية، لكنهم يجدون صعوبة في تقبل الشعور بأن كل مشروع يأتي معه سياج آخر، وإغلاق آخر، ووعد مستقبلي آخر يُطلب منهم دفع ثمنه في الحاضر.
من المفترض أن تعود حديقة الاستقلال إلى الجمهور بعد ترميمها وتحسينها. لكن في هذه الأثناء، خلف السياج الأبيض والكتابات عليه، وعلى رأسها “هنا دُفنت حديقة الاستقلال”، تحولت إلى رمز حاد للقدس الحالية: مدينة تعيش في بناء لا ينتهي – إلى درجة أن المكان الذي كان يفترض أن يمنحها بعض الهواء أُغلق هو أيضا.


