هل ستُغلق المؤسسة التعليمية الفلسطينية العريقة في القدس؟

مؤسسة اليتيم العربي المهنية في شمال القدس تواجه نزاعات على الأرض، وتراجعاً في عدد الطلاب، وقلقاً على مستقبلها
كولاج يظهر المدرسة العربية الفلسطينية المهنية للأيتام في شمال القدس وصورة أرشيفية لطلاب في ساحة المدرسة
كولاج للمدرسة العربية الفلسطينية المهنية للأيتام، "اليتيم العربي"، في المنطقة الواقعة بين بيت حنينا وعطروت في شمال القدس، إلى جانب صورة أرشيفية لطلاب في المؤسسة

تواجه المدرسة العربية الفلسطينية المهنية للأيتام، المعروفة باسم “اليتيم العربي”، وهي واحدة من أقدم وأهم المؤسسات التعليمية المهنية في القدس الشرقية، خطر الإغلاق. فقد شكّلت على مدى عقود رمزاً لإعادة بناء المجتمع الفلسطيني وتطويره عبر التعليم التكنولوجي، لكن نزاعات الأراضي مع السلطات الإسرائيلية، وتراجع عدد الطلاب، والصعوبات المالية، باتت تلقي بظلال ثقيلة على استمرارها، بعد نحو 60 عاماً على تأسيسها.

تقع المدرسة، الممتدة على مساحة تقارب 42 دونماً، في المنطقة الواقعة بين بيت حنينا وعطروت، عند الطرف الشمالي من القدس. ويضم المجمع الواسع مباني تعليمية، وورش عمل متقدمة، ومختبرات، وملاعب رياضية. ومع مرور السنوات، تحوّل موقعها إلى نقطة احتكاك بسبب قربه من منطقة عطروت الصناعية ومن جدار الفصل.

ما قصة المدرسة الفلسطينية العريقة في القدس؟

أُنشئت المدرسة في الأصل عام 1940 في حيفا على يد “لجنة اليتيم العربي”، التي ضمت مجموعة من المثقفين والشخصيات العامة. وكان الهدف الأصلي منها توفير مأوى وتعليم وتدريب مهني للأيتام الفلسطينيين في أعقاب الثورة العربية الكبرى بين عامي 1936 و1939، وفي ظل الوضع الاقتصادي الصعب.

بعد حرب عام 1948، نُقلت المؤسسة إلى القدس، التي كانت آنذاك تحت الحكم الأردني. وافتُتح المبنى الحالي في أواخر ستينيات القرن الماضي في موقع استراتيجي شمال المدينة، ليصبح أحد أبرز مراكز التدريب المهني في الشرق الأوسط. وتركز المؤسسة على التعليم التكنولوجي والمهني في مجالات ميكانيكا السيارات والتشخيص، وكهرباء المباني والصناعة، والنجارة وتصميم الأثاث، والحدادة واللحام الفني، والحواسيب والاتصالات.

اعتمد تمويل المؤسسة على مدى السنوات على مزيج من الدعم الحكومي الأردني، والمساعدات الدولية، خصوصاً من الحكومة الألمانية، والتبرعات الخاصة. كما جاء جزء صغير من التمويل من رسوم دراسية رمزية ومن عائدات ورش المؤسسة، مثل أعمال النجارة والميكانيكا التي نُفذت لزبائن من خارج المدرسة.

لماذا تواجه المدرسة في شمال القدس خطر الإغلاق؟

في ذروة ازدهارها، خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، استوعبت المؤسسة مئات الطلاب، وأحياناً أكثر من 500 طالب، قدموا من أنحاء الضفة الغربية وغزة والقدس. وكانت تعمل كمدرسة داخلية مرموقة، اندمج خريجوها في قطاعات السيارات والكهرباء والبناء في أنحاء العالم العربي. أما اليوم، فقد تراجع عدد الطلاب بشكل كبير، ليصل إلى عشرات قليلة فقط، وفق السنة الدراسية والتخصص. ويعود هذا التراجع إلى الصعوبات البيروقراطية، والحواجز التي تعيق وصول الطلاب من مناطق السلطة الفلسطينية، والمنافسة مع مؤسسات تعليمية أخرى.

أدى تقليص الدعم الخارجي، إلى جانب التكاليف المرتفعة لصيانة الورش التكنولوجية الحديثة، إلى إدخال المؤسسة في عجز مالي كبير. كما أن بناء جدار الفصل والحواجز قطع المدرسة عن جمهورها الأساسي، أي الطلاب القادمين من منطقة التماس ومناطق السلطة الفلسطينية. ونتيجة لذلك، تراجع التسجيل وازداد شعور المؤسسة بالعزلة.

هناك أيضاً توتر دائم حول مسألة المنهاج الدراسي، بين المنهاج الفلسطيني والمنهاج الإسرائيلي. فالضغط الذي تمارسه بلدية القدس، عبر إدارة التعليم في القدس ووزارة التعليم، من أجل ملاءمة المؤسسة للمنظومة الإسرائيلية كشرط للتمويل، يثير معارضة داخلية لأسباب أيديولوجية. كما تدّعي إدارة التعليم في القدس أن المؤسسة تعاني من بنية تحتية قديمة ومن عدد طلاب منخفض لا يبرر الحفاظ على هذا المجمع الضخم. وقد عبّرت البلدية أكثر من مرة عن رغبتها في “السيطرة” على إدارة المؤسسة أو تحويل بعض مبانيها إلى مدارس بلدية عادية، بهدف معالجة النقص الحاد في الصفوف في بيت حنينا.

قضية مركزية أخرى مثار خلاف هي الأرض التي تقوم عليها المدرسة، والتي تُعد أصلاً استراتيجياً. وتدور منذ سنوات معارك قضائية طويلة مع السلطات الإسرائيلية وجهات خاصة بشأن ملكية أجزاء من الأرض، إذ تسعى بعض الجهات إلى استخدامها لتوسيع المنطقة الصناعية أو لبناء وحدات سكنية.

وتتمثل الحجة المركزية لحارس أملاك الغائبين وسلطة أراضي إسرائيل في أن أجزاء من أراضي المجمع تعود إلى مالكين يهود اشتروها في مطلع القرن العشرين، قبل عام 1948، ولذلك، وبعد تطبيق القانون الإسرائيلي عقب حرب الأيام الستة، يجب أن تعود الملكية إلى الدولة.

بعد سنوات من المداولات، قبلت المحاكم الإسرائيلية موقف الدولة في جزء من الدعاوى. وتقرر الفصل بين مباني المدرسة وبين المساحات المفتوحة داخل المجمع. وقد مهّدت هذه الأحكام الطريق لدفع مخططات بناء حكومية على أراضٍ كانت تخدم المؤسسة سابقاً، مثل الملاعب الرياضية أو أراضي الزراعة التعليمية، ما يضيّق هامش حركة المدرسة ويهدد قدرتها على مواصلة العمل بصيغتها الحالية.