تغيّر ملامحها: القدس الذهبية أم مدينة الأبراج؟

الموافقة على أبراج جديدة وآلاف الوحدات السكنية تكشف كيف تغيّر القدس خطها العمراني، وتعيد الجدل حول طابع أحيائها
تصور لمجمع سكني جديد في القدس يضم مباني متدرجة وشرفات ومساحات خضراء
: تصور لمجمع سكني جديد في القدس يجمع بين البناء المتدرج والشرفات والمساحات الخضراء (Photo: Roy Shahak)

قال رئيس بلدية القدس موشيه ليئون هذا الأسبوع، عقب المصادقة على إقامة برج من 42 طابقًا في منطقة مدخل المدينة: “هذه هي ملامح مستقبل عاصمة إسرائيل، القدس”. لكن هذا المشروع ليس سوى جزء من سلسلة قرارات تخطيطية اتُخذت خلال الأيام الأخيرة. فقد تمت بالتوازي المصادقة على ثلاثة مخططات واسعة للتجديد الحضري في كريات هيوفيل وغفعات شاؤول، تشمل نحو 3,000 وحدة سكنية جديدة وأبراجًا يصل ارتفاعها إلى 35 طابقًا. ويبدو أن الأسبوع الأخير يجسّد أكثر من أي وقت مضى الاتجاه الذي تسير فيه القدس، ويطرح سؤالًا واحدًا: هل تغيّر العاصمة خطها العمراني فقط؟

لماذا تبني القدس المزيد من الأبراج؟

على مدى سنوات طويلة، تميزت القدس تحديدًا بعدم تبنيها ثقافة الأبراج التي طبعت مدنًا إسرائيلية أخرى. فقد كانت الأحياء ذات المباني المنخفضة، والشوارع ذات الطابع المجتمعي، والنسيج الحضري المعتدل جزءًا لا يتجزأ من هوية المدينة. وحتى عندما شُيّد أول مبنى مرتفع فيها، وهو “برج القدس” الذي افتُتح عام 1970 وبلغ ارتفاعه 17 طابقًا، اعتُبر حدثًا استثنائيًا لا بداية لاتجاه واسع.

لكن الواقع تغيّر خلال العقد الأخير. فمخططات التجديد الحضري، والنقص في الأراضي، والحاجة إلى إضافة آلاف الوحدات السكنية، تدفع القدس نحو البناء المرتفع. وتغيّر مناطق مثل مدخل المدينة، وتلبيوت، وكريات هيوفيل، وطريق الخليل، وغفعات شاؤول ملامحها تدريجيًا، مع إقامة مجمعات جديدة تضم استخدامات متنوعة وأبراجًا سكنية وبنى تحتية متطورة للنقل.

وتشير البيانات أيضًا إلى عمق هذا التحول. فوفقًا لمعطيات دائرة الإحصاء المركزية والسلطة الحكومية للتجديد الحضري، تصدرت القدس إسرائيل عام 2024 في عدد التصاريح التي مُنحت ضمن مشاريع التجديد الحضري. وفي الوقت نفسه، سُجل ارتفاع كبير في بناء الأبراج السكنية التي يزيد ارتفاعها على 21 طابقًا. وفي عام 2025، شكّلت بدايات البناء في مبانٍ من 16 طابقًا فما فوق ما بين 54% و61% من مجمل بدايات البناء في المدينة، بزيادة بلغت 22 ضعفًا مقارنة بعام 2016.

هل يتناسب البناء المرتفع مع طابع القدس؟

يرى البعض في ذلك مرحلة طبيعية في تطور عاصمة حديثة، بينما يعتقد آخرون أن الأمر يعكس تحولًا أعمق، يقرّب القدس من النموذج الحضري المعروف في تل أبيب ومنطقة غوش دان.

ويرى حجاي برونشتاين، من شركة حجاي للوساطة العقارية، أن البناء المرتفع أصبح جزءًا لا يتجزأ من تطور القدس خلال السنوات الأخيرة: “تتطور المدينة بوتيرة سريعة، والانتقال إلى بناء أعلى هو نتيجة مباشرة للحاجة إلى زيادة المعروض السكني واستغلال الأراضي بصورة أكثر كفاءة. وإذا كانت الأبراج في الماضي استثناءً في المشهد المقدسي، فإنها اليوم أصبحت جزءًا لا يتجزأ من عملية التجديد التي تمر بها المدينة. إنه تغيير مهم، لكنه يتيح للقدس مواصلة النمو ومنافسة أكبر المناطق الحضرية في إسرائيل”.

لكن إلى جانب زخم البناء المرتفع، يمكن رصد اتجاه آخر أيضًا. فهناك مشترون يفضلون بيئة أكثر حميمية، مع مبانٍ منخفضة نسبيًا، ومساحات مشتركة، وطابع مجتمعي.

ويوضح المحامي عيدو شموئيلي، المتخصص في العقارات ولا سيما التجديد الحضري، أن أحد أسباب ذلك هو تفضيل بعض المشترين لبيئة سكنية ذات طابع محلي أكثر. وقال: “يميل الجمهور المتدين والحريدي في كثير من الحالات إلى تفضيل البناء المنخفض والمتوسط، من بين أسباب أخرى بسبب الرغبة في الحفاظ على الحياة المجتمعية وطابع الحي. ونرى أيضًا أن سكان الخارج يبحثون في كثير من الأحيان عن مشاريع ذات طابع مشابه”.

وتتجسد هذه المقاربة أيضًا في مشاريع جديدة تُبنى في المدينة. ومن بينها مشروع “تلبيوت الجديدة” في حي تلبيوت المتجدد، والذي يضم ثمانية مبانٍ من 10 إلى 11 طابقًا، سُكنت أربعة منها بالفعل. وبدلًا من إقامة مجمع يضم أبراجًا عملاقة، يعتمد المشروع على بناء متدرج يسعى إلى الاندماج في النسيج العمراني للقدس والحفاظ على بيئة سكنية مجتمعية، ضمن عملية التجديد التي تمر بها المنطقة.

في نهاية المطاف، لم يعد السؤال ما إذا كانت القدس تتغير، بل كيف سيبدو التوازن الذي ستصل إليه. فمن جهة، هناك زخم بناء ينتج آلاف الوحدات السكنية ويغير خط المدينة العمراني. ومن جهة أخرى، توجد رغبة في الحفاظ على الشعور بالمجتمع والهوية المحلية اللذين رافقا القدس طوال عقود. وقد لا تكمن الإجابة في ارتفاع الأبراج، بل في القدرة على الجمع بين العالمين.