ليست آثار الاحتراق على أحد الأرصفة بالقرب من جبل الزيتون مجرد شاهد على حادث عنيف آخر في القدس الشرقية. إنها تعكس واقعاً قابلاً للانفجار، حيث يمكن لأمتار قليلة تفصل بين منازل اليهود ومنازل السكان المسلمين أن تتحول إلى مسافة هائلة من الناحية القومية والدينية والنفسية. وفي منطقة الطور، حيث تعيش مجموعات ذات هويات قومية مختلفة على مقربة من بعضها، قد يتحول حتى الشارع الهادئ إلى ساحة مواجهة.
حي الطور، الذي يقيم فيه القاصرون الأربعة الذين اعتُقلوا هذا الأسبوع، لا يقع بالقرب من جبل الزيتون فحسب، بل يمتد على الجبل نفسه، شرقي البلدة القديمة في القدس وجنوبي جبل المشارف. ويُعد الحي من الأحياء الفلسطينية القديمة ذات الأغلبية المسلمة، ضمن منطقة تضم أيضاً المقبرة اليهودية التاريخية والكنائس والأديرة والمؤسسات الدينية. وتوجد في محيطه كذلك تجمعات سكنية يهودية، أحياناً على مسافات قصيرة من منازل الفلسطينيين. غير أن التقارب الجغرافي لا يضمن التقارب الاجتماعي، بل قد يزيد من حدة التوترات المرتبطة بالهوية والسيادة والشعور بالانتماء.
واعتقلت الشرطة الإسرائيلية هذا الأسبوع أربعة قاصرين من سكان الطور للاشتباه في إلقاء زجاجات حارقة باتجاه منازل يهودية في القدس الشرقية. وتمكن عناصر مركز شرطة شاليم في لواء القدس، بالتعاون مع قوات حرس الحدود، من تحديد هويات المشتبه بهم والوصول إليهم بعد مراجعة توثيق مصور وإجراء تحقيقات. ومددت المحكمة اعتقالهم حتى الأربعاء، الرابع من نوفمبر، فيما لا يزال التحقيق مستمراً.
لماذا أصبح جبل الزيتون في القدس بؤرة للتوتر بين اليهود والعرب؟
لا يمثل جبل الزيتون مجرد منطقة سكنية، بل يتمتع بأهمية دينية وتاريخية كبيرة لدى اليهودية والمسيحية والإسلام، ويقع في قلب إحدى أكثر المناطق حساسية في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وتشكل المقبرة اليهودية القديمة والمؤسسات المسيحية والأحياء الفلسطينية مشهداً إنسانياً وجغرافياً معقداً، حيث تحمل كل قطعة أرض تقريباً معاني تتجاوز استخدامها اليومي.
وليست هذه التوترات جديدة. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، أثار إنشاء وتوسيع المعهد الديني اليهودي بيت أوروت جدلاً بشأن الوجود السكني والمؤسساتي اليهودي داخل محيط فلسطيني. ويرى مؤيدو هذا الوجود أنه تعبير عن ارتباط تاريخي وحق في السكن، بينما يعتبره معارضوه الفلسطينيون توسعاً ذا دوافع سياسية يهدد بتغيير الطابع السكاني لأحيائهم.
ومن منظور علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي، يمكن تفسير جانب من هذه التوترات من خلال نظرية الهوية الاجتماعية التي طورها هنري تاجفيل وجون تيرنر. فعندما ينظر الأفراد إلى محيطهم باعتباره ساحة تنافس بين مجموعات، تتعزز الحدود النفسية بين «نحن» و«هم». وفي مثل هذه الظروف، قد يُفسر حتى حادث محلي محدود باعتباره تهديداً للمجموعة بأكملها.
هل يمكن للتعايش بين اليهود والمسلمين في القدس الشرقية أن يقلل العنف؟
ليس بالضرورة. تفترض نظرية الاتصال بين المجموعات، المرتبطة بعالم النفس غوردون ألبورت، أن التفاعل بين المجتمعات المختلفة يمكن أن يخفف الأحكام المسبقة في ظروف مناسبة، منها المساواة النسبية والتعاون والدعم المؤسسي. لكن مجرد القرب الجغرافي لا يكفي لتحقيق ذلك.
وتشير أبحاث تناولت اللقاءات بين اليهود الإسرائيليين والفلسطينيين إلى أن التفاعلات الإيجابية قد تساعد في تقليص الصور النمطية السلبية. غير أن اللقاء داخل جامعة أو مكان عمل لا يشبه بالضرورة الحياة داخل حي تبقى فيه قضايا الملكية والسيادة والهوية القومية موضع نزاع عميق.
كذلك تشكل الفجوات في التخطيط العمراني والبنية التحتية والفرص الاقتصادية في القدس الشرقية جزءاً من السياق الاجتماعي الأوسع الذي تتطور فيه هذه التوترات. ولا تعني هذه العوامل تبريراً للعنف، كما أنها لا تثبت دوافع القاصرين الذين اعتُقلوا هذا الأسبوع.
وربما تكمن المفارقة الأشد في جبل الزيتون هنا تحديداً: مكان مقدس لملايين البشر حول العالم، لكن بعض سكانه يعيشون حياتهم اليومية في ظل الشك والخوف. لا تستطيع زجاجة حارقة واحدة تفسير الصراع بأكمله، لكنها تكشف مدى خطورة التقاء القرب الجغرافي بالعداء القومي.


