بين مسارات الحديقة النباتية الجامعية في القدس تختبئ حكاية صغيرة عن شجرة عملاقة. ليست نبتة محلية تأقلمت بسهولة مع مناخ المدينة الجبلي، بل محاولة شبه عنيدة لزراعة السكويا العملاقة، وهي من أكثر الأشجار إثارة للإعجاب ومن أكبرها في العالم.
في الحديقة النباتية يصفون المشروع بأنه “قصة استثنائية من الكفاح والرعاية القريبة والكثير من الصبر”. فالسكويا العملاقة، التي تعود أصولها إلى غابات كاليفورنيا، معتادة على مناخ أكثر برودة ورطوبة بكثير مما يمكن أن تقدمه القدس. وهي تنتمي إلى عائلة السرو، لكنها بخلاف الأشجار المحلية التي تعرف كيف تتعامل مع الجفاف والتربة الكلسية وأشهر الصيف الطويلة، جاءت من عالم مختلف تماما.
كيف نجحت شجرة من كاليفورنيا في البقاء في القدس؟
بدأت الرحلة عام 2011 مع 80 بذرة صغيرة من السكويا العملاقة. في الحديقة النباتية خضعت البذور لعملية “تهيئة باردة”، أي محاكاة لفصل الشتاء داخل ثلاجة، بهدف تشجيع الإنبات. وبعد نحو شهرين ونصف ظهرت المفاجأة الأولى: 70 نبتة صغيرة بدأت تنمو، وهي نسبة مرتفعة بشكل خاص لشجرة يصعب جدا إنجاحها في الظروف المحلية.
لكن النجاح الأولي لم يكن نهاية القصة. فالشتلات الصغيرة بدأت بعد فترة قصيرة تعاني من مرض في الأوراق انتشر في المشتل، ومات بعضها الواحد تلو الآخر. وبحسب الحديقة النباتية، حاول طاقم المشتل فهم سبب الضائقة التي تمر بها النباتات، ونفذ “تغييرات في الري، وملاءمة الضوء والتهوية، ونقل الشتلات إلى الشمس والهواء الطلق”. ولاحقا كانت هناك حاجة أيضا إلى علاج مضاد للفطريات لوقف تراجع الشتلات.
ويقول د. أوري فرغمان سابير، المدير العلمي للحديقة النباتية الجامعية في القدس: “يعتقد الناس أن النباتات إما تنمو أو تموت ببساطة، لكن في الواقع يجب أن نتعلم كيف نصغي إليها. في حالة السكويا شعرنا فعلا كأننا فريق عناية مركزة للأطفال حديثي الولادة. كل تغيير صغير في الظروف كان يمكن أن يحدد ما إذا كانت الشتلة ستبقى أم لا. أن نرى اليوم أشجار سكويا تنمو في القدس، فهذا بالنسبة لنا معجزة نباتية صغيرة”.
ماذا تعلمنا قصة السكويا عن صحة النبات؟
في نهاية العملية بقيت 23 شتلة فقط. وبعد نقلها إلى تربة الحديقة، اضطرت إلى مواجهة ظروف القدس تقريبا وحدها: الجفاف، والتربة الكلسية، والشمس، وتغيرات درجات الحرارة. واليوم تنمو هذه الأشجار في قسم أميركا الشمالية في الحديقة النباتية، إلى جانب أشجار ردوود ساحلية أقدم، يبلغ عمرها نحو 40 عاما.
وتوضح الحديقة النباتية أن قصة السكويا العملاقة تظهر “إلى أي مدى تعتمد صحة النبات على المراقبة، والملاءمة، وفهم ظروف البيئة”. أحيانا لا يكون الفارق بين الانهيار والنجاح معجزة كبيرة، بل سلسلة من قرارات صغيرة ودقيقة وحساسة.
تمتد الحديقة النباتية الجامعية في غفعات رام بالقدس على مساحة تقارب 150 دونما، وتعد الأكبر من نوعها في الشرق الأوسط. وتضم أكبر مجموعة من النباتات الحية في إسرائيل والمنطقة، مع أكثر من 7,300 نوع وصنف من النباتات من أنحاء العالم، موزعة على ست مناطق جغرافية تحاكي بيئات نباتية مختلفة.


