من صناديق الكهرباء الرمادية إلى فن الشوارع: القدس تحول شوارعها إلى معرض فني

تتحول صناديق الكهرباء والمياه في أنحاء القدس إلى لوحات فنية ملونة، تستوحي تفاصيلها من المشاهد المحلية والطابع المميز لكل منطقة في المدينة
صناديق كهرباء مزينة برسومات فنية ملونة في القدس، تظهر القطار الخفيف ومشاهد من المدينة ضمن مشروع لفن الشوارع
صناديق كهرباء في القدس تحولت إلى لوحات فنية ملونة مستوحاة من القطار الخفيف والمشهد الحضري المحيط (Photo: Jerusalem Municipality)

لم تكن صناديق الكهرباء والمياه المنتشرة في شوارع القدس يوماً من المعالم التي تدفع المارة إلى التوقف وتأملها. فعلى مدى سنوات، ظلت جزءاً شبه غير مرئي من المشهد الحضري، مجرد منشآت رمادية تؤدي وظائف تقنية. لكن بعضها يتحول الآن إلى أعمال فنية ملونة تعكس طبيعة الأماكن المحيطة بها، ضمن مشروع تنفذه بلدية القدس.

يقف وراء هذه الرسومات الفنان إليساف ميارة، من سكان المنطقة المحيطة بقطاع غزة، والذي يعمل في مجال الرسم منذ نحو عشرين عاماً. وخلال مسيرته الفنية، رسم على مئات الملاجئ الواقية في شمال إسرائيل وجنوبها، إلى جانب جدران المدارس ورياض الأطفال والحدائق والمنشآت العامة. وانطلق المشروع في حديقة ساكر بالقدس، قبل أن يمتد إلى أحياء ومواقع إضافية في المدينة.

وبدلاً من اعتماد تصميم موحد لجميع المنشآت، تقوم الفكرة على ملاءمة كل لوحة للمكان الذي توجد فيه. فقد يندمج صندوق كهرباء تحيط به الأشجار مع المشهد الطبيعي، بينما يحمل صندوق آخر في منطقة تاريخية عناصر مستوحاة من العمارة المحلية والتراث العمراني.

كيف تتحول صناديق الكهرباء في القدس إلى أعمال من فن الشوارع؟

ينفذ المشروع بالتعاون مع إدارة العمليات في بلدية القدس، حيث يعمل موظفوها على تحديد المنشآت المناسبة للرسم. ويدرس ميارة طبيعة كل موقع قبل تصميم اللوحة، محاولاً إزالة الحدود البصرية بين البنية التحتية والمشهد المحيط بها.

وأوضح ميارة: “هدفي من هذا المشروع هو أخذ صندوق كهرباء يبدو عادة عنصراً غريباً ومنفصلاً عن محيطه، وتحويله إلى جزء من المكان. ففي حديقة ساكر، تعكس الرسومات المساحات الخضراء والطبيعة، أما في البلدة القديمة فستحمل طابعاً تقليدياً وتدمج مناظر القدس ومبانيها”.

ويحمل العمل في القدس بالنسبة إلى ميارة أهمية شخصية تتجاوز الجانب الفني.

وقال: “أعمل في الرسم منذ عشرين عاماً، وأشعر أن كل تلك السنوات كانت بمثابة استعداد للحظة التي سأحظى فيها بفرصة الرسم في شوارع القدس. لقد رسمت على مئات الملاجئ الواقية في أنحاء البلاد، لكن القدس بالنسبة إليّ شيء مختلف”.

وتندرج هذه المبادرة ضمن توجه أوسع لإدخال الفن إلى الأماكن العامة، بحيث تتحول حتى المنشآت ذات الوظائف العملية البحتة إلى مساحات للإبداع. غير أن خصوصية القدس، حيث تتغير المشاهد العمرانية بصورة حادة بين الأحياء القديمة والمناطق الحديثة والمساحات الخضراء، تمنح فكرة ملاءمة الأعمال الفنية لمحيطها أهمية إضافية.

من جانبه، أشار رئيس بلدية القدس، موشيه ليون، إلى أن “الاستثمار لا يقتصر على مشاريع البنية التحتية الكبرى، بل يشمل أيضاً التفاصيل الصغيرة التي تجعل الأماكن العامة أكثر جمالاً وراحة وترحيباً بالناس. إن تحويل صناديق الكهرباء والمياه إلى أعمال فنية يضيف الألوان والإبداع والحيوية إلى شوارعنا وأحيائنا”.

ولا تزال أعمال الرسم متواصلة، ومن المتوقع أن تتوسع خلال الفترة المقبلة. أما بالنسبة إلى ميارة، فإن معيار النجاح الحقيقي لا يقتصر على جمال اللوحات، بل يتمثل في قدرة هذه الرسومات على دفع السكان الذين يمرون بجانبها يومياً إلى النظر بطريقة مختلفة إلى محيطهم المألوف.